... / إني إخترتك يا وطني حبا و طواعية / الحصانة البرلمانية تمنع الاستمرار بمحاكمة النواب
الحصانة البرلمانية تمنع الاستمرار بمحاكمة النواب
أرسل لصديق طباعه
لا يمكن محاكمة النواب طوال فترة انعقاد مجلس  النواب السابع عشر، وطالما أن القضاء لم يفصل قبل ذلك الموعد في القضايا المرفوعة على بعض السادة النواب سواء تعلق الأمر بتهم شراء الأصوات أو بتهم أخرى كالتهمة المنسوبة للنائب رولا الحروب بسبب حلقة تلفزيونية كانت تتولى إدارتها فإن السؤال المطروح الآن: هل من الممكن الاستمرار في محاكمة هؤلاء النواب دون الحاجة لرفع الحصانة عنهم؟ .
ليس هنالك إجابة مباشرة وواضحة على هذا السؤال في التشريعات الأردنية ذات العلاقة وهو ما أثار التباين في وجهات النظر في مختلف وسائل الإعلام حول الإجابة عن هذا السؤال، فهنالك من يرى عدم وجود حاجة لرفع الحصانة عن هؤلاء النواب أثناء محكمتهم على اعتبار أن الجرم قد وقع قبل فوزهم بعضوية مجلس النواب، وهنالك من يقول لابد من رفع الحصانة عنهم طالما أن المادة 86/1 من الدستور الأردني تضمنت حكما عاما بعدم محاكمة النواب أثناء دورات الانعقاد إلا بعد رفع الحصانة عنهم.
من خلال القراءة المتأنية للمادتين 86 و 87 من الدستور نجد أن النواب يتمتعون – وللأسف – بحصانة برلمانية تحول دون محاكمتهم إلا بإذن من المجلس النيابي إلا إذا كان هنالك حالة تلبس بالجريمة. فالذين يرون عدم وجود حاجة لرفع الحصانة عنهم باعتبار أن الجرم قد وقع قبل صيرورتهم نوابا إنما يخلطون في حقيقة الأمر بين الحصانة "الموضوعية" والحصانة "الإجرائية" للنواب. فالحصانة الموضوعية معناها عدم ملاحقة النائب جزائيا عن آراءه ومواقفه أثناء تأدية عمله النيابي لتمكينه من ممارسة عملة بكل جرأة وشجاعة، وقد ورد النص على هذه الحصانة في المادة 87 من الدستور والتي جاء فيها " لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب ملء الحرية في التكلم وإبداء الرأي في حدود النظام الداخلي للمجلس الذي هو منتسب إليه ولا يجوز مؤاخذة العضو بسبب إي تصويت أو رأي يبديه أو خطاب يلقيه في أثناء جلسات المجلس".
أما الحصانة "الإجرائية" والتي نحن بصددها فهي تلك التي تحول دون توقيف أو حتى الاستمرار في محاكمة النائب أو العين عن أي جريمة جزائية إلا بموافقة المجلس الذي ينتمي إليه طالما أن المجلس كان في حالة انعقاد، فهذه الحصانة لا وجود لها قبل انعقاد الدورة البرلمانية ولا وجود لها بين دورات الانعقاد ولا في فترات الإرجاء وإنما توجد فقط أثناء انعقاد الدورات البرلمانية عادية أو غير عادية أو استثنائية... وقد ورد النص على هذه الحصانة في المادة 86 من الدستور والتي جاء فيها "لا يوقف احد أعضاء مجلسي الأعيان والنواب ولا يحاكم خلال مدة اجتماع المجلس ما لم يصدر من المجلس الذي هو منتسب إليه قرار بالأكثرية المطلقة بوجود سبب كاف لتوقيفه أو لمحاكمته أو ما لم يقبض عليه في حالة التلبس بجريمة جنائية ...ً".
فإذا كانت الحكمة من الحصانة الموضوعية هي تمكين النائب أو العين من ممارسة عملة بكل جرأة وشجاعة فإن الحكمة من الحصانة الإجرائية هي الحيلولة دون تأثير إجراءات الملاحقة أو المحاكمة على ممارسة العمل النيابي على اعتبار أن المشتكى عليه في القضايا الجزائية سيضطر إلى المثول أمام القضاء بخلاف الدعاوى الحقوقية – التي لا حصانة فيها – حيث يمكن أن ينوب عنه فيها محاميا. ومعنى ذلك أنها حصانة مرتبطة بالزمان وتحديدا بفترات انعقاد المجلس وليس بالأفعال المقترفة بدليل أن النائب لا يعفى هنا من العقونة وإنما يتم فقط تأخير الإجراءات القضائية إلى الوقت الذي لا يتعطل معه العمل النيابي، في حين أن الحصانة الموضوعية تجعل فعل النائب كما رأينا مباحا ولا عقاب عليه لا خلال الدورة البرلمانية ولا بعدها.
نعم إن الجرم المسند لبعض السادة النواب بشراء الأصوات أو للسيدة الحروب بخصوص الحلقة التلفزيونية وقع قبل الفوز بعضوية مجلس النواب ولكن المحاكمة لم تتم بعد ولذ فإن القضاء يحتاج إعتبار من صباح يوم الأحد 10-2-2013 وامتثالا لنص المادة 86 من الدستور لأن يطلب من مجلس النواب رفع الحصانة عنهم وإذا وافق الأخير يتم السير في إجراءات المحاكمة وإلا فإنه لا يمكن محاكمتهم طوال فترة انعقاد المجلس وسيتم الانتظار لفترات زمنية قد تكون طويلة خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدورة البرلمانية أصبحت بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة ستة أشهر وليست أربعة ويمكن تمديدها لثلاثة أشهر وقد تليها مباشرة دورات استثنائية (انظر المادة 78 من الدستور).
وإذا كانت هذه هي النتيجة التي خلصنا إليها فليس معنى ذلك أننا مع هذا النوع من الحصانة (الحصانة الإجرائية) بل نرى أنه قد آن الأوان لإعادة النظر فيها وبأن مبرراتها لم تعد مقنعة، فنحن مع الحصانة الموضوعية (عدم ملاحقة عضو مجلس الأمة عن آراءه ومواقفه أثناء تأدية العمل النيابي) ولكننا في مقابل ذلك نقترح إعادة النظر في مسألة الحصانة الإجرائية والحد من نطاقها أو حتى إلغائها وذلك للأسباب التالية:
أولا: إن عدم تعطيل العمل النيابي وهي الحكمة من الحصانة "الإجرائية" غاية سامية وتحقق المصلحة العامة دون شك ولكن عدم عرقلة سير العدالة وممارسة حق المجتمع في معاقبة مرتكبي الجرائم والحفاظ على حقوق الأفراد الذين يمكن أن تشكل الجريمة الجزائية اعتداءا على حقوقهم الشخصية (كثيرا ما تقترن الدعوى الجزائية أمام القضاء بالادعاء بالحق الشخصي) كل ذلك أليس من الواجب أخذه بعين الاعتبار.
ثانيا: إن حضور النائب أو العين بعض جلسات المحاكمة لن يعطل العمل النيابي في اعتقادنا خاصة وأن التعديلات الأخيرة على قانون أصول المحاكمات الجزائية لم تعد تستلزم حضور المشتكى عليه في القضايا الجزائية الجنحية إلا جلسة أو جلستين فقط ويمكن أن يحضر بدلا منه محاميا كما في الدعاوى المدنية والتي لا تشملها الحصانة وفقا لنص المادة 86 من الدستور (انظر المادة 168 قانون أصول المحاكمات الجزائية).
ثالثا: إن الحصانة "الإجرائية" لأعضاء مجلس الأمة بالمعنى الذي أشرنا إليه تشكل- في غير حالات التلبس بالجريمة - قيدا على سلطة النيابة العامة وسلطة القضاء في معاقبة من قد يرتكب أخطر الجرائم التي لا علاقة لها بالعمل البرلماني وإن ذلك من شأنه أن يضع النائب أو العين فوق القانون ويجعل منه شخصا يضع القوانين دون أن يخضع لها.
رابعا: إن الحصانة "الإجرائية" في كثير من الأحيان ليست في مصلحة النائب ذاته وبخاصة عندما يغلب الضن لدية أو لدى محامية بأن الحكم سيكون بالبراءة أو عدم المسؤولية وليس بالإدانة، فالسير باجراءات المحاكمة وصدور الحكم في أسرع وقت يمكن أن يخلق حالة من الاستقرار لدى النائب ويخلصه من السؤال المزعج في كل مناسبة (شو صار بموضوعك سعادة النائب...؟).
المحامي الدكتور محمد علي الخلايلةأستاذ القانون العام بكلية الحقوق – جامعة مؤتة
جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3041617