... / مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني / أسوأ شروط بالنسبة للأردن
أسوأ شروط بالنسبة للأردن
أرسل لصديق طباعه

أولاً، الحدود: انطلقت المفاوضات من تنازل أساسي قدّمه الجانب الأردني، ويتمثل بالتخلي المسبق عن بحث إعادة بلدة أم الرشراش على خليج العقبة، التي احتلها الإسرائيليون عام 1949، أي بعد الهدنة وفي خرق لها، وأقاموا فيها ميناء «إيلات» الذي ما فتئ أن توسع على حساب المياه الإقليمية الأردنية لاحقاً. يحدّد أطلس المركز الجغرافي الأردني (مؤسسة تابعة للقوات المسلحة) الصادر عام 1983، الذي سُحب من التداول بعد المعاهدة، خرائط الأراضي الأردنية المحتلة من «العدو الإسرائيلي»، بادئاً بالخريطة الرقم (1)، خريطة منطقة الاحتلال في خليج العقبة. ويقول النص المرفق بها الذي كان يمثّل الموقف الرسمي في حينه: «تبيّن الخريطة أن خط الهدنة عام 1948 يقع في الطرف الشمالي الغربي من خليج العقبة، وقد ضمنت اتفاقية الهدنة هذا الخط، ولكن إسرائيل احتلت الموقع الحالي والمبين في الخريطة بحجة أن الحد الفاصل بين فلسطين وشرق الأردن في عهد الانتداب كان يمثله هذا الخط. وبذلك تكون إسرائيل قد خرقت اتفاقية الهدنة، ولم تكتف بذلك، إذ إن المنطقة المخصصة لرسو السفن في ميناء إيلات تتعدى لتشمل مياهاً إقليمية أردنية صميمة. وإذا اعتبرت العوامات التي تضعها إسرائيل في خليج العقبة فاصلاً بين المياه الإقليمية الأردنية ــــ الإسرائيلية، فإن هذا يعني تقليص المياه الإقليمية الأردنية باتجاه الجنوب ليصبح عرضها صفراً، وهو ما تبينه الخريطة». وقد بدأ مفاوضو وادي عربة من الاعتراف بالحجج والوقائع التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي، متنازلين، رغم الدستور، عن أراض وطنية ومياه إقليمية، وعن المدى الجغرافي الطبيعي للمنفذ البحري الوحيد للبلاد،

 المفاوضين الأردنيين لم يتمسكوا بالسيادة أو حتى بالمساحات في ما يتصل بمنطقتي الاحتلال موضع التفاوض في الباقورة (شمالاً) ووادي عربة (جنوباً). يقول أطلس المركز الجغرافي الأردني رفقة خريطة الاحتلال في الباقورة الرقم (2) ما يأتي: «عينت الحدود بين شرق الأردن وفلسطين إبان الانتداب البريطاني، واعتبر نهر الأردن حداً فاصلاً بين القطرين، ونهر اليرموك حداً فاصلاً بين الأردن وسوريا. إلا أن اليهود احتلوا المنطقة الواقعة في الجانب الأردني عند ملتقى نهر الأردن ونهر اليرموك في غرب الباقورة التي بلغت مساحتها 1390 دونماً. ويبدو واضحاً أن إسرائيل تهدف إلى السيطرة على ملتقى النهرين، واستغلال المياه من خزان اليرموك». وفي وادي عربة، قدم الجانب الأردني تنازلات واسعة وغامضة وخطيرة. فقد قبل باسترداد 850 دونماً وتنازل كلياً للإسرائيليين عن 540 دونماً. علماً بأن مئات الدونمات هنا لها أهمية استراتيجية في ما يتصل بالحقوق المائية في نهري الأردن واليرموك. لكن الأسوأ هو الثمن الذي دفعه الأردن لقاء الاستعادة القانونية، لا السيادية أو الفعلية، على الـ850 دونماً تلك، وهو قبوله بعدم ممارسة أي لون من ألوان السيادة الحدودية أو القانونية أو الضريبية أو الشرطية على الأرض «المستعادة» التي أُخضعت لـ«نظام خاص» يسمح بحقوق تملك الإسرائيليين وشرطتهم وموظفيهم، واستعمالهم وإقامتهم ودخولهم وخروجهم إلى المنطقة من دون قيود، ويُمنع المواطنون الأردنيون، بالمقابل، من الدخول إليها إلا بتصاريح، ويجمد سيادة القوانين والمحاكم الأردنية كلياً فيها. ويظل الأخطر هو حدود منطقة «النظام الخاص» التي تخطت الأراضي «المستعادة» إلى أراض لم تكن محتلة سابقاً، لكنها أُخضعت لشروط النظام الخاص بمنطقة الباقورة / نهاريم وفق الملحق (1/ب) لمعاهدة وادي عربة، التي ظل تعيين حدودها سرياً وغامضاً، ولكنه يشمل على الأقل الأراضي التي كانت مخصصة، قبل قيام دولة إسرائيل، لشركة كهرباء فلسطين في الموقع الذي يسميه الإسرائيليون «نهاريم»، وهي أراض أردنية صميمة لم تكن محتلة ولكنها موضع مطالبة إسرائيلية بحقوق ملكية، وتبلغ مساحتها 5380 دونماً. وبالمحصلة، فإن إسرائيل «استعادت» تملك أراض أردنية واستخدامها تحت مظلة قانونية تنزع عنها كل ممارسات السيادة، بما فيها البلدية. وبالنسبة لخريطة منطقة الاحتلال الإسرائيلي في وادي عربة (الرقم 3)، يقول الأطلس ذاته: «قامت إسرائيل بعد عام 67 بتغيير خط الهدنة في وادي عربة، وزحزحت هذا الخط شرقاً لمسافات مختلفة، وصلت في بعض المناطق إلى 8 كلم، بطول 128 كيلومتراً. أما المساحات التي استولت عليها إسرائيل فقد بلغت 387،4 كيلومتراً مربعاً». وقد اتُّفق بصدد هذه المنطقة على تسوية أعادت قسماً منها إلى الأردن مقابل التخلي عن الحق في الممارسات السيادية الأردنية عليها، بما في ذلك منح المستوطنين فيها حقوق استئجار واستثمار. والسائر في طريق البحر الميت ــــ العقبة يلاحظ المزارع الإسرائيلية الغنّاء في الوادي، ويلاحظ أن الجانب الأردني غير مستغَل زراعياً إلا في حدود ضيقة ومن شركات تابعة للأمن. ولا يعود ذلك إلى ظروف طبيعية، فالطبيعة واحدة، ولا إلى كسل الأردنيين، بل إلى الامتيازات الإسرائيلية في استغلال المياه الجوفية والاشتراطات الأمنية..

 ثانياً، المياه: وقد قدّم الجانب الأردني، في هذا المجال، ما يُعد كارثة بالنسبة لبلد هو من أفقر عشرة بلدان في الموارد المائية:
 1) أقر الجانب الأردني بالواقع القائم من استئثار إسرائيل بكل المياه العذبة في أعالي نهر الأردن حتى بحيرة طبريا، متنازلاً عن حقوقه المائية في البحيرة وفي المصادر المائية شمالها، وتبلغ 100 مليون متر مكعب، هي حقوق أراضي الزور الأردنية، وعن حوالى 5 م.م.م من المياه العذبة لإرواء الملكيات الإسرائيلية في أراضي الباقورة، وعما مقداره 10 م.م.م لإرواء الأراضي المؤجرة للمستوطنين الإسرائيليين في وادي عربة. وهكذا نلاحظ أن التنازل عن السيادة على أراضي الباقورة والغمر في وادي عربة، استتبع التنازل عن حصصهما المائية. وحصل الأردن مقابل ذلك على حق تحلية 60 م.م.م من المياه المالحة جنوبي طبريا وإقرار إسرائيل بحقوقه في تصريف أوديته الداخلية، وحقوقه لدى سوريا في نهر اليرموك! 2) ورغم أن نهر اليرموك هو نهر سوري ــــ أردني داخلي، وليس للأراضي الفلسطينية، وبالتالي الإسرائيلية، حقوق عليه، باستثناء حقوق مثلث اليرموك ومقدارها 17 م.م.م، إلا أن الجانب الأردني، من دون مشاركة سوريا أو موافقتها، أبرم اتفاقاً مع طرف ثالث بشأن الحقوق الثنائية الأردنية ــــ السورية، وتنازل للإسرائيليين عن 25 م.م.م من مياه اليرموك، ووافق على إقامة سد تحويلي مشترك مع الإسرائيليين على اليرموك. وقد أدى هذا الإجراء العدائي إلى نشوب مشكلة مياه مع سوريا التي لم تعد تعترف بالحقوق الأردنية في اليرموك، وتقوم بالتالي بالسحب فوق حصتها من النهر وتخزينها في سدود محلية، ضمانة لعدم تسرّب هذه المياه إلى إسرائيل.
3) اعتمد الاتفاق بين الجانبين الأردني والإسرائيلي مبدأ الربط المائي الثنائي، وأهم عناصره تخزين فائض المياه الأردنية الشتوية في بحيرة طبريا، رغم أن تخزينها محلياً أكفأ وأقل كلفة، عبر أنابيب، واستعادتها صيفاً. وتحسن المياه الشتوية العذبة نوعية المياه المستهلكة في إسرائيل التي تضخ، بالمقابل، مياهاً من نوعية رديئة، وغالباً ملوثة إلى الأردن صيفاً. وهو ما فجر فضائح متكررة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
ثالثاً، اللاجئون: الأردن هو أكبر مستضيف للاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين. ويعيش على أرضه حوالى مليوني لاجئ وفدوا إثر النكبة. ومن البديهي أن إنهاء حالة الحرب والصلح بين الأردن وإسرائيل يتطلبان، وفقاً للشرعية الدولية وموجبات السيادة والمصالح الأردنية، القيام أولاً بإنهاء الوقائع الناتجة من الحرب، وأهمها بالنسبة للأردن، واقعة اللجوء الفلسطيني. وقد تنازل الجانب الأردني عن حقه كدولة مضيفة وعن حق اللاجئين في العودة والتعويض والملكية. وقد اعتبرت المادة 8 من معاهدة وادي عربة قضية اللاجئين والنازحين «مشكلة إنسانية» ناجمة عن «النزاع في الشرق الأوسط»! وأحالت البحث فيها إلى لجنة رباعية مع مصر والفلسطينيين (بالنسبة للنازحين) والمجموعة الدولية المتعددة الأطراف. وقد وضعت إسرائيل اللجنتين على الرف، بينما ينفذ الأردن من طرفه الاتفاق الثنائي بشأن «تطبيق برامج الأمم المتحدة المتفق عليها وغيرها من البرامج الاقتصادية الدولية المتعلقة باللاجئين والنازحين، بما في ذلك المساعدة على توطينهم». وهكذا نلاحظ أن معاهدة وادي عربة تنص على التوطين صراحة ولا تذكر حق العودة والتعويض إطلاقاً، وتؤكد الطابع الإنساني للمشكلة والأفق الاقتصادي لحلها.

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3098978