... / مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني / لماذا نرفض معاهدة وادي عربة
لماذا نرفض معاهدة وادي عربة
أرسل لصديق طباعه

معاهدة وادي عربة ستة عشر عاماً من العبء الثقيل والموقعة في 26 تشرين اول من عام 1994  تمر الذكرى السادسة عشرة لتوقيع اتفاقية وادي عربة دون أن تجد من يشيد بها، لا من الطرف الحكومي بعد أن تحولت إلى عبء ثقيل وقيد شديد الإحكام، ولا من الطرف الإسرائيلي الذي ضمن تحويل خطوط تماسه مع الأردن إلى حدود أكثر أمناً مما لديه في الداخل واكتفى. وفي مراجعة للمعاهدة التي تضمنت مقدمة وثلاثين مادة وخمسة ملاحق تعالج قضايا الحدود والأراضي والمياه والأمن والمخدرات والبيئة والترتيبات الإجرائية المؤقتة يمكن القول بأن إعلان الحكومة ضمان ثوابتها من خلال إبرامها لم يعد، بل لم يكن أكثر من هراء وأحلام يقظة. وقد كانت هذه الثوابت حسب النصوص الرسمية هي تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في المنطقة وإقامة سلام مبني على قراري مجلس الأمن الدولي 242 و 338، وتعزيز السلام على أساس الحرية والمساواة، وتعزيز الموقف الفلسطيني في مطالبته بالقدس، وحق العودة، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة. ومن نافل القول أن أي منها لم يتحقق ولم تكن المعاهدة لا بديباجتها ولا ببنودها تؤدي إليها. وكيف كان يمكن لها ذلك إذا كانت المعاهدة قد أقرت بأن الأراضي الفلسطينية المحتلة ليست كذلك، إذ وصفتها بأنها الأراضي التي دخلت تحت الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967، وأيدت بذلك أنها أراض متنازع عليها.

*** أهم الأسباب التي تحثنا على رفض المعاهدة هي دخول الأردن، والتي كانت سابقا الراعي الإداري الرسمي للضفة الغربية، في معاهدة سلام مع العدو الإسرائيلي هو تعبير فاضح عن انسحاب الدور العربي في حل القضية الفلسطينية و تحويل الصراع من عربي-إسرائيلي إلى فلسطيني-إسرائيلي، الأمر الذي يضع الأردنيين جميعا في خانة الانسلاخ و الانعزال الحقيقيين عن بعدهم القومي و الجغرافي. كما أن توقيع المعاهدة هو تقييد حقيقي للإرادة الشعبية المتضامنة مع حقوق الشعب الفلسطيني. فالمعاهدة تتضمن عدم السماح لأي طرف بأي عمل يقوم به طرف ثالث ضد أحد الطرفين. و هذا الموقف المطاط يمنع الأردن من لعب أي دور إيجابي في القضية الفلسطينية على الصعيد المقاوم و المدافع و حتى المفاوض في حين يحق لإسرائيل خرق بنود الاتفاقية بممارساتها الواضحة في سياق مشروع الوطن البديل؟! التقيد بالمعاهدة هو خروج عن اتفاقيات التحالف العربي والسيادي للأردن وضد مصالح الشعب والوطن إذ تأخذ المعاهدة أولوية في التطبيق على أية اتفاقيات أو معاهدات ارتبط أو يرتبط بها الاردن.


ماهي النتائج التي ترتبت على هذه الأتفاقية
 اولا : بعد التوقيع في 26 تشرين اول من عام 1994 سارعت الدول الراعية لما عُرف بالسلام النظري في المنطقة الى عقد مؤتمرات السلام الاقتصادي في كزبلانكا وعمان والقاهرة والدوحة, للترويج لمشاريع كبرى يجري تنفيذها مع اسرائيل لتعزيز التنمية في المنطقة التي عاشت حروبا اثرت على رفاهية شعوبها, الكل يتذكر مشاريع قناة البحرين ومطار السلام واقامة هيئة مشتركة للبحث العلمي, واقامة شركة ملاحة مشتركة وصناعات متطورة وانتقال رؤوس الاموال والايدي العاملة, وكلها شعارات طُرحت في بدايات عهد ترويج المعاهدة, واذكر ان قيمة مشاريع تسويق اتفاقية وادي عربة في مؤتمر عمان الاقتصادي سنة 1995 كانت تتجاوز ال¯ 50 مليار حينها, فماذا تحقق منها? الاحصاءات العامة تشير ان الصادرات الاردنية الى إسرائيل بلغت حوالي 785 مليون دينار منها 394 مليون دينار مواد نسيجية ومصنوعاتها خلال الفترة 1996 حتى نهاية عام ,2008 في حين ان المستوردات الأردنية من إسرائيل بلغت ما مقداره 938 مليون دينار منها 507 ملايين دينار مواد نسيجية ومصنوعاتها.

في الواقع العملي جميع اشكال العلاقة الاقتصادية الاردنية الاسرائيلية تطورت فقط في مجالين رئيسيين هما الزراعة وصناعة المناطق الصناعية المؤهلة. في الزراعة استطاع الاسرائيليون ان يحققوا اختراقا كبيرا في هذا القطاع باستخدام وسائل مختلفة ادت في النهاية الى ايجاد وكلاء للمنتجات الزراعية الاسرائيلية في السوق المحلية بشكل خفي, وقد تستروا تحت وضع ان تلك السلع أنتجت في الاراضي الفلسطينية, واستطاع الوكلاء الذين تخفوا وراء مسميات عدة ان يتسللوا لاسواق جوار عدة أثرت سلبا في كثير من الاحيان على العلاقات الاقتصادية من تلك الدول التي ترفض اي شكل من اشكال التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال من جانب, وتأثير سلبي على القطاع الزراعي الذي بات تحت رحمة هؤلاء الوكلاء الذين تحكموا وهيمنوا على العملية الزراعية برمتها, مما جعل القطاع نافرا للاستثمار الوطني وجاذبا لفئة تتطلع الى زيادة ارباحها من خلال التعامل الاقتصادي مع الاسرائيليين بغض النظر عن الجانب السياسي. اما في مجال الاستثمار في المناطق الصناعية المؤهلة التي انتشرت سريعا مصانعها في مختلف انحاء المملكة فإنها ما كانت لتتم لولا الدعم الامريكي الذي وفر لمنتجاتها دخول السوق الامريكية من دون رسوم جمركية, لكنها حقيقة كانت مثالا للربح السريع, فقد كانت قيمتها المضافة بالنسبة للاقتصاد الاردني لا تتجاوز في افضل حالتها 15 بالمئة, وهي لا تعادل اي قيمة مادية ومعنوية لوجودها وتداعياتها السلبية على قطاعات صناعية مشابهة في الانتاج, وها هي اليوم وبعد ان فقدت ميزتها في الدخول للسوق الامريكية بعد فتح المجال امام صادرات نسيجية مماثلة بدأت تتلاشى وتتراجع صادراتها تدريجيا مما يؤكد ان لا وجود حتى لاستثمار استراتيجي نابع عن اتفاقية وادي عربية.
لكن علينا ان لا نكتفي بتطور تلك العلاقات الاقتصادية الوهمية فهناك تعاون خفي بين العديد من المؤسسات الرسمية والخاصة ومراكز تدعي انها مستقلة مع مؤسسات الاحتلال الاسرائيلي, وقد استطاع الاسرائيليون فعليا ان ينجحوا في ايجاد شبكة وكلاء لهم يسوقون افكارهم ويروجون سلعهم ويخترقون مؤسسات واعمال ومشاريع كان من المفترض ان تكون محلية او عربية التعامل والادارة. للأسف; صحيح ان اسرائيل المحتلة نجحت في كسر الحاجز النفسي لدى فئة قليلة من المجتمع لكن تأثير تلك الفئة كبير لدرجة انها باتت محورا للعديد من المعاملات التي لا تصب الا في مصلحة سماسرة الاحتلال اولا واخيرا.

ثاتيا : مكاسب هذه المعاهدة جاءت أقل من التوقعات بكثير، لكن الأهم هو أن (16) سنة من التطبيع الرسمي لم تفلح في حث الأردنيين على تقبّل الإسرائيليين بقدر ما أخرجت الأردن من دائرة الصراع مع العدو الصهيوني وحيّدته تماماً، فكانت هذه المعاهدة التي ظلت حبراً على ورق بمثابة إعطاء شرعية لإسرائيل مجاناً دونما أي مقابل . وخلافا للموقف الشعبي الرافض للمعاهدة وفي اتساق مع الرأي الرسمي يرى البعض أن " وادي عربة" منحت الأردن نصراً إستراتيجياً بعيد المدى تمثل بإبعاد فكرة الوطن البديل وترسيم حدوده لأول مرة مع "إسرائيل" التي ترفض الإقرار بحدود جغرافية، مدفوعة بنوايا توسعية منذ بسطت هيمنتها على فلسطين، وأعلنتها الأمم المتحدة دولة عام 1948. والاهم أن المعاهدة أخرجت الأردن "من عزلته السياسية منذ حرب الخليج الثانية، وجعلت منه حليفاً إستراتيجياً للولايات المتحدة من خارج منظومة حلف الأطلسي بعد أن كان في دائرة السهام الأمريكية. وفي الحديث عن المكاسب الأردنية من هذه المعاهدة يبدو أن الأمور بقيت على حالها خاصة فيما يتعلق بالقضايا الشائكة بين الطرفين؛ فاقتصادياً مثلاً ذهبت عشرات الوعود بإقامة مشاريع ضخمة وإحداث انتعاش في السوق الأردني أدراج الرياح بعدما اكتشف الأردنيون أن الطرف الوحيد المستفيد اقتصادياً من هذا السلام هم الإسرائيليون. فلم تتحقق مشاريع المطار المشترك في العقبة ومحطات تحلية المياه ومشروع سحب مياه الأحمر إلى البحر الميت، كما لم يحصل الأردن على حصته من المياه والتي تُقدّر ب (50) مليون متر مكعب سنوياً بحسب المعاهدة .

ثالثا : - داخلياً فقد انعكست معاهدة السلام مع"إسرائيل" سلباً على الداخل الأردني من جميع النواحي؛ إذ تراجعت الحريات، وانخفض هامش الديموقراطية على أساس أن القضية المركزية للمعارضة الأردنية وقوام مبادئها هو رفض التطبيع مع إسرائيل . وأصبحت تداعيات المنطقة وحراكها مسوّغاً على الدوام للتضييق، وهاجساً للحفاظ على الأمن . فتعرضت قوانين متعلقة بالحريات العامة للتعديلات، من أهمها قانون الاجتماعات العامة الذي يحظر التظاهر إلا بضوابط، وقانون المطبوعات والنشر، وقانون الانتخابات (الصوت الواحد) الذي هدف لتحجيم الإسلاميين والمعارضين في الساحة الأردنية . هذا فضلاً عما أسهمت فيه هذه المعاهدة المشؤومة من إلغاء وتغيير للعديد من القوانين الأردنية لتنسجم مع واقع السلام واستحقاقاته في المنطقة ككل من قبيل دخول الأردن في بعض الاتفاقيات الدولية، كالاتفاقيات المتعلقة بالإرهاب ومكافحته، والتي برزت كظاهرة قانونية وسياسية عقب عملية السلام.

رابعا: - أراضي الأردن المحتلة
اعتراف بالسيادة مع حق الاستخدام والتأجير اعترفت المعاهدة بسيادة منقوصة للاردن على اراضيها المحتلة التي تمتد من الباقورة إلى “مزرعة الغمر“ ووادي عربة وإجزاء من شاطئ البحر الميت. مع حق الاستخدام والاستئجار إلى إسرائيل. فبعد التوصل إلى اتفاق على ترسيم الحدود في شمال منطقة الباقورة، اصطدم خط الترسيم بقطعة أرض مساحتها 830 دونما، زعمت إسرائيل أنها مملوكة لها. في النهاية تم الاتفاق على السماح للإسرائيليين الذين يشغلونها بأن يستخدموها لمدة 25 عاما، و’التجديد الأوتوماتيكي’ لاستئجار أراضي الباقورة المحددة بـ25 عاما، ما لم يقم أحد الطرفين بإخطار الطرف الثاني في رغبته بالإنهاء. ‘وحتى إن أخطر الطرف الآخر بالإنهاء، فإن حالة الاستئجار لا تنتهي فورا بل تعني الدخول في مفاوضات جديدة‘. مثال اخر يتجسد في‘وادي عربة. فالوادي مستأجر لمدة 99 عاما لإسرائيل، مما يعني أن إسرائيل تستفيد منه. أما الأردن فلا يستفيد من هذه الأراضي على الإطلاق، على الرغم من الاعتراف بسيادته عليها.’ اما مثال اخير يكمن في أراضي البحر الميت. تم تحديد الحدود في منتصفه، كما ورد في صك الانتداب عام 1922، وتم البناء على ذلك في معاهدة وادي عربة، أما في منطقة الملاحات فقد تم تعويض الأردن عنها بمساحة مقدارها 7,4 كيلو متر مربع في وادي عربة. ورغم وجود السلام فمنطقة جنوب البحر الميت ومحاذاتها ممنوعة للأردنيين. المياه والبيئة لم يحصل الاردن على حصته من المياه وفق المعاهدة فما زالت المياه منهوبة. هذا ويتم نقل مياه الامطار في الشتاء للعدو. و نود الإشارة هنا الى قضية حصولنا على مياه ملوثة من طبريا في الحادثة المشهورة.

خامسا:-  كما أن الاتفاقية هي ضربة موجهة للاقتصاد الأردني، بفتح الباب لنشاطهم الإقتصادي. على المستوى القطري الضيق غرقت الأردن في النمط الاستهلاكي ، ولم تستفد أي خبرة إنتاجية، كما انها لم تستفد من فرص العمل في المناطق الصناعية. فالملخص أن الأردن لم تجني ضرائب و تحولت إلى منطقة مؤجرة بالمجان على المستوى الإقتصادي.

سادسا :- مجلس النواب قدم مذكرة لمشروع إلغاء المعاهدة واعتبر المجلس أن هناك خمسة أسباب موجبة للمشروع. أولها أن القانون رقم 14 لسنة 1994 منح الاعتراف لكيان قام على الاغتصاب وأنشأ دولة على حساب الشعب الفلسطيني الشقيق الذي شرد من وطنه” أما السبب الثاني فهو أن الكيان الذي وقعت معه المعاهدة “لم يلتزم بنصوص هذه المعاهدة، حيث مازال خطره يتهدد المملكة، ومما يؤكد ذلك ما كان قد عزم عليه رئيس حكومة إسرائيل آرائيل شارون عندما كان يخطط عام 2003 لاحتلال الأردن. و أشار النواب في مذكرتهم إلى أنه من الأسباب الموجبة كذلك هو أن “الكيان الموقع معه على المعاهدة لم يتورع عن ارتكاب جرائم جنائية مع سبق الإصرار والترصد على ارض المملكة الأردنية الهاشمية ويكفي للدلالة على ذلك إرساله بعض جواسيسه إلى الأردن لاغتيال مواطن أردني على الأرض الأردنية، مما يتناقض مع المادة (4) من المعاهدة التي تنص على (الامتناع عن التهديد بالقوة واستعمالها واستعمال الأسلحة التقليدية وغير التقليدية أو من أي نوع آخر ضد بعضهما، وعن الأعمال والأنشطة الأخرى التي تضر بأمن الطرف الآخر. وفيما يتعلق بالعدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني؛ أشارت المذكرة إلى أن هذا الكيان الموقع معه المعاهدة يمارس حرب إبادة وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني الشقيق، تتمثل في الحصار الخانق لهذا الشعب ومنع وصول ضرورات الحياة الإنسانية إليه كالغذاء والدواء والكهرباء، وقتل المدنيين واستخدام كافة الأسلحة بما في ذلك الأسلحة المحرمة دوليا. أما خامس هذه الموجبات بموجب المذكرة فهو أن “هذا الكيان يواصل الاعتداء على الأماكن المقدسة في القدس ولاسيما المسجد الأقصى المبارك خلافا للمادة (9) من المعاهدة التي تنص على: (تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة في القدس)، فأي احترام للدور الخاص في ظل تشويه الحقائق التاريخية وتعريض المسجد الأقصى للخطر من خلال الاستمرار في حفر الأنفاق وبناء الكنس تحت المسجد؟

سابعا :-  لذلك فنحن نرى في مقاومة التطبيع دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطيني من جهة ودفاعا عن استقلال الأردن وأمنه من جهة ثانية ووسيلة فعالة لتعبئة دولية شعبية ورسمية للضغط على اسرائيل لإنهاء احتلالها للأراضي العربية المحتلة من جهة ثالثة. وفي ظل الصراع حول الموقف من التطبيع وفي ظل الضغوط الأمريكية والإسرائيلية جرى تراجع واسع عن الكثير من المكتسبات الدمقراطية وجرى التضييق من جديد على الحريات العامة، وأخضعت البلاد لقانون الصوت الواحد الذي يعيدنا عشرات السنين الى الوراء ويبعث العشائرية والعائلية والطائفية والإقليمية بقوة، ويوجه ضربة كبرى لقاعدة المواطنة ويبعد البرلمان عن وظائفه الحقيقية في التشريع والرقابة. وتمت تراجعات كثيرة ومراجعات واسعة في قوانين الصحافة والنشر والتجمعات العامة والعقوبات, الرقابة على الصحافة واصبحت القضية الأمنية المحور الاساس لقضايا الحريات والدمقراطية، وباسمها جرى تعطيل ونسف كل محاولات ما سمي "بالإصلاح السياسي"، فتعطل العمل بالميثاق الوطني وتراجعت كل خطط ومحاولات التنمية السياسية بغض النظر عن الاسماء التي حملتها، وكان النفَس الأمني وراء كل مراجعات قانون الاحزاب وقوانين المنظمات الشعبية كقانون النقابات المهنية والجمعيات الخيرية، وكان وما زال واضحا ان الحكومات تسعى الى تحقيق معادلة شديدة الصعوبة، وهي تقرير السياسات الحكومية من جهة وتقرير ووضع سقف لنشاط مختلف منظمات المجتمع المدني بما يتنافى مع النصوص الدستورية الواضحة من جهة ثانية. هذه الحياة المدارة من قبل الحكومات تقضي على المناخ المؤاتي للتنمية السياسية، فإذا ما اضيف لها توسيع صلاحيات الحكام الإداريين وزيادة القيود على النشاط الجماهيري والعام، وتقييد حركة الاحتجاج الشعبي بحجج أمنية كذلك، يتضح مدى التدهور في الحريات العامة. وجرت محاولات واسعة لتضييق الخناق على مختلف منظمات المجتمع المدني وخصوصا النقابات المهنية، واما التضييق على النشاط الحزبي فهو اشد، اذ بجانب مختلف القيود القانونية والإدارية فان الأحزاب ممنوعة من العمل في اوساط الطلاب، وهذا امر يخالف منطق التاريخ... والحقيقة ان هذا المنع يستهدف فرض شيخوخة مبكرة على الأحزاب، فالجميع يعلم ان بذرة الحياة والنشاط السياسي تبدأ في الغالب الأعم على مقاعد الدراسة، وتشتد الرقابة الأمنية على نشاط الأحزاب وتتجدد الاستدعاءات لمنتسبيها من قبل الجهات الأمنية، ورغم ما اعلن من ان لا دور للموافقات الأمنية على التوظيف في الكثير من المواقع، فان هذا الدور يعود بقوة ولو بأشكال مواربة. وهكذا فان سلسلة التراجعات في مجال الحريات العامة وإشاعة الدمقراطية ومأسسة المجتمع والحياة العامة طويلة، ولكننا نؤكد ان القضية الأمنية التي بسببها يتم تهبيط سقف الحريات وتوسيع القيود على الحياة الدمقراطية وتعميق التجاوزات الدستورية، تعطي مردودا عكسيا على امن الوطن واستقراره، إذ تعمّق التناقضات وحالة عدم الثقة في المجتمع وتزيد من حالة القلق السياسي. فأمن الوطن لا تصونه الإجراءات الأمنية البوليسية فقط، بل كذلك التعبئة الوطنية الواسعة المستندة الى روح الدفاع عن الوطن وحمايته.

ثامنا :- عالجت اتفاقية وادي عربة المياه بتفصيل واهتمام، ويؤخذ عربيا على هذه الاتفاقية أنهاتجاهلت حقوق الدول العربية الأخرى في مياه نهر الأردن ونهر اليرموك وأدخلت إسرائيل طرفا أساسيا في تعاون عربي أو إقليمي في مجال تنمية الموارد المائية وأسست لهيمنة إسرائيلية على موارد المياه في نهر الأردن والأحواض الجوفية. ” تجاهلت اتفاقية وادي عربة حقوق الدول العربية الأخرى في مياه نهر الأردن ونهر اليرموك وأدخلت إسرائيل طرفا أساسيا في أي تعاون عربي أو إقليمي في مجال تنمية الموارد المائية وأسست لهيمنة إسرائيلية على موارد المياه في نهر الأردن والأحواض الجوفية ” ولم تف إسرائيل بالتزاماتها المائية تجاه الأردن بل إن المياه التي حصل عليها الأردن من بحيرة طبريا بدل حصته التي تدفقت عليها من نهر اليرموك كانت ملوثة، وأعطت الاتفاقية الحق لإسرائيل في استثمار المياه الأردنية الجوفية في وادي عربة وألزمت الأردن بالامتناع عن اتخاذ أي إجراء أو السماح باتخاذ أي إجراء من شأنه أن يؤثر في تقليل إنتاج هذه الآبار أو نوعيتها، وأجازت لإسرائيل فتح آبار جديدة وربطها بأنظمة المياه والكهرباء الإسرائيلية، وحملت الأردن مسؤولية تشغيل وصيانة الآبار وأنظمتها الواقعة في الأراضي الأردنية والتي تزود إسرائيل بالمياه، وعلى الأردن أن يضمن وصولا سهلا دون معوقات للأشخاص والمعدات إلى هذه الآبار.

تاسعا : - خلال السنوات الماضية أثارت تقارير إسرائيلية مخاوف السلطات الأردنية، من مفاجآت ما تعد لها تل أبيب، من ذلك أن إحدي الدراسات الإسرائيلية التي أعدت في آذار- مارس 2005 على ضوء خطة الانفصال الأحادي الجانب عن قطاع غزة، طرح الخيار الأردني كبديل لدولة فلسطينية، وأوضحت " أن الخيار الأردني يعني توحد الكيان الفلسطيني فدراليا مع الأردن ". ولم تخف بعض الأوساط الأردنية ذات المستوي الرفيع تشاؤمها حول مستقبل القضية الفلسطينية بعدما بدت ملامح الوطن البديل "الأردن" تلوح في الافق. ويذكر نائب رئيس الوزراء الأردني السابق مروان المعشر " نخشي أن يأتي اليوم الذي يحاورنا فيه القادة الإسرائيليون على أن الأردن هي فلسطين ! لماذا نحن قلقون؟ سيقسم الجدار الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام وسيجعل الحياة مستحيلة بالنسبة للفلسطينين؛ سيفصلهم الجدار الضفة عن أعمالهم ومدارسهم وأراضيهم؛ فإذا حدث ذلك ماهي الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين ؟ سوف يرحلون طوعا أو بالقوة إلى الأردن". وأثار تصويت في الكنيست الإسرائيلي العام الماضي على إلغاء اتفاقية "وادي عربة" للسلام مع الأردن، واعتبار الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين، حالة من الغليان والغضب في عمان وأعربت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والقوى الفلسطينية رفضها المطلق لهذا المشروع، ودعت كل هذه القوى المجتمع الأردني إلى تبنى خطاب يدعو للاستعداد للمعركة والمقاومة. ويعني هذا الموقف إعلان حرب مفتوحة ضد كل ما يسهم إدماج اللاجئين، ويرى مراقبون من الجانبين أن التغاضي عن مشاريع كهذه لا يعني ضياع فلسطين فحسب، بل والأردن أيضا.


المراجع من نبض الشارع الأردني

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3549233