... / إني إخترتك يا وطني حبا و طواعية / القاضي الذي أبكى المشتكي
القاضي الذي أبكى المشتكي
أرسل لصديق طباعه

وقف سائق حافلة ركاب متوسطة برفقة محاميه أمام قاضي محكمة بداية الزرقاء في جلسة محاكمته عن تسببه بصدم طفل في الثامنة من عمره قبل عامين، ويبدو أن المحاكمة قد استمرت خلال تلك المدة الطويلة الى أن استقرت حالة الطفل الصحية .

وحضر الجلسة أيضا والد الطفل المصاب الذي لم يوكل محاميا للمطالبة بحقوق الطفل ولم يقدم طلبا بالتعويض وهو ما يسمى (ادعاء بالحق الشخصي) وقد كانت مفاجأة لي أن يبين القاضي بأن التقرير الطبي النهائي عن حالة الطفل يفيد بأن هذا البريء فقد تسعين بالمائة من قواه العامة بمعنى أن نسبة العجز 90% بسبب طيش ورعونة وعدم انتباه سائق (الكوستر) داخل مدينة مزدحمة مثل الزرقاء .

وحين وقف والد الطفل المصاب كشاهد للحق العام قال أنه يسقط حقه عن السائق، وأفاد بأن السائق دفع فقط ثلاثة الاف دينار نفقات علاج طوال تلك المدة .

كان الامر صاعقا بالنسبة لي وقد تغير وجه ذلك القاضي الفاضل ونحن نستمع كيف يحاول محامي الدفاع مناقشة الوالد الشاهد الذي لا يميز بين الحق الجزائي والتعويض عن الضرر أن يسقط كل حقوق للطفل البريء عن الفاعل وحتى عن شركة التأمين ومالك الحافلة رغم أنه لا يوجد مطالبة حقوقية في القضية.

هنا وضع القاضي قلمه وقال مخاطبا والد الطفل والمجتمع كله: أبنك يعاني من عجز 90% فبماذا ستجيبه عندما يكبر اذا سألك لماذا أسقطت حقي يا أبي ؟؟ من سينهض بمسؤولية هذا الطفل ومن سيجيبه عن حقه ؟؟ درس بليغ في مسؤولية الوالد عن أبنائه القاه هذا القاضي الفاضل على مسامع والد الطفل والحضور، فأجهش والد الطفل بالبكاء قائلا (جاءتني الجاهات والشيوخ يا سيدي) .

الجاهات والشيوخ وفنجان قهوة يقحمون فيه أسم الله والرسول والملك فيسقط والد حق طفل سيمضي حياته بحاجة الى مساعدة، وسيكبر ولن يتزوج وربما لن يصل الى مرحلة متقدمة من التعليم وما أن يبلغ الخامسة والعشرين حتى يكون اسمه مدرجا ضمن قوائم صندوق المعونة الوطنية .

مضى السائق خارج المحكمة فرحا والمحامي منتصرا بينما بقيت حسرة وألم في نفس القاضي وفي نفسي أما الوالد فخرج من قاعة المحكمة ودموعه تنهمر وقد أحس بخطيئته، ويقيني أن عينيه لن تغمضا لأيام وأن تلك الدموع ستتكرر وهو يشاهد طفله الذي سامح بحقوقه من أجل عيون الجاهة الكريمة يطلب المساعدة من أجل الوصول الى الحمام .

انها جريمة ارتكبها والد وجاهة وسائق ومجتمع وتشريعات، بأي حق يجوز لوالد طفل أن يسامح بحقوقه دون أن يكون له رأي، ومن أجل ماذا ؟؟ من أجل كلمات شكر وأعلان أشادة بالكرم الحاتمي في أستقبال الجاهة الكريمة والتنازل عن كافة الحقوق الشخصية والجزائية والعشائرية !! عندما يكون المصاب بالغا عاقلا فانه حر في التنازل عن حقوقه وتوزيع كرمه على من يشاء أما حين يكون المصاب طفلا بريئا فان اسقاط حقه جريمة، والادهى من ذلك أنهم ينسبون ذلك تكريما لجلالة الملك الذي لو كان حاضرا فلن يقبل أن تضيع حقوق طفل بريء سدى .

ينبغي أن نعدل التشريعات لسحب هذا الحق من ولي أمر الطفل واسناده الى هيئة جديدة تشبه صندوق تنمية أموال الايتام تودع لديها تعويضات الاطفال المصابين بحوادث مرور وغيرها من الحوادث لتسلم اليهم بعد سن البلوغ .

ويجب أن نعدل قانون أصول المحاكمات الجزائية بحيث لا نسمح لولي أمر الطفل بأكثر من اسقاط الحق الجزائي والاحتفاظ بحق التعويض، بل والزامه بالمطالبة بالتعويض لصالح الطفل أو أن يكون المدعي العام هو الممثل للحق الشخصي للأطفال المصابين.

باسم الطفولة البريئة والحقوق المسفوحة عبر فناجين القهوة المرة مرارة الالم في صدر طفل سيكبر ويسأل أين حقي؟؟ أوقفوا هذه الجريمة التي ترتكب يوميا بحق أطفالنا.

المحامي محمد الصبيحي

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3332009