... / جلالة الملك الحسين بن طلال / خطاب وجهه الملك حسين الى الشعب حول الهجوم الاسرائيلي على جنوبي لبنان
خطاب وجهه الملك حسين الى الشعب حول الهجوم الاسرائيلي على جنوبي لبنان
أرسل لصديق طباعه

خطاب وجهه الملك حسين الى الشعب حول الهجوم الاسرائيلي على جنوبي لبنان .
 الرأي عمان، 18 / 3 1978/
         أيها الاخوة المواطنون،
         أيها الاخوة العرب حيثما تكونون..
         أبعث اليكم بصادق المحبة وأطيب آمال الخير والتوفيق. أتحدث اليكم و كل ذرة من وجودي تمور ألما على ما تكشف مؤخرا من واقع أمتنا والحال المؤسف الذي وصلت اليه.
         في اليومين الاخيرين تكاملت فصول كارثة كبيرة حلت بالامة العربية لم تدخل بعد أثارها الكاملة الى وعينا ووجداننا الوطني . لقد تحركت قوات العدوان الاسرائيلى من حدود اسرائيل الشمالية تحت ستار من الحجج والذرائع المختلفة فاحتلت بالقوة مساحة شاسعة من أرض لبنان وتمركزت فيها وطرحت واقعا سياسيا وجغرافيا وعسكريا جديدا على الامة العربية والعالم. وازاء ذلك لم يتحرك العالم بل ولم  يستنكر ذلك استنكارا قاطعا مسموعا كما لم يتحرك وطننا العربي بشكل حار منظم أو شجاع وان كانت بعض أصوات الاستنكار والالم قد تصاعدت في بعض ارجاء الوطن العرب دون وحدة أو تنظيم او وضوح في الهدف والاتجاه.
         ان هذا العدوان الاخير الجديد هو عدوان خطير في أبعاده ومعانيه. فهو يغير الصورة الاستراتيجية بيننا وبين اسرائيل. وهو يخلق وضعا سياسيا ونفسيا جديدا. وهو يواجه العالم بواقع جديد خطير. ولكن الاخطر من هذا كله هو الوضع العربي الذي كشف عنه العدوان الاخير والمدلولات المؤلمة التي برزت من خلال هذه الاحداث الاخيرة .
         العدوان الاسرائيلي لم يتردد مطلقا في ان يقدم على خطوته هذه.. ولم يتردد في أن يعلن عنها مسبقا.. ممهدا لها في العالم وناشرا من حولها قبل وقوعها الاجواء النفسية التي يريدها لها.
والوطن العربي بأسره لم يتحرك بشكل جماعي منظم قادر شهم شجاع لصد العدوان أو للحيلولة دون وقوعه أو ايقاف المذبحة التي تستهدف الاخوة الفلسطينيين أو حتى مواجهة الموقف بشكل موحد منظم..
         أن وقوع جزء من أرض لبنان تحت الاحتلال أمام سمع وبصر العرب والعالم ليس الا حلقة جديدة من حلقات التوسع الاسرائيلي في الوطن العربي.. مثل الحلقات التي سبقت في الضفة الغربية وغزة.. في الجولان وسيناء.. بل في تأكل الارض الفلسطينية نفسها مرحلة بعد مرحلة.
         ولئن كان لبنان والشعب الفلسطيني المتواجد على أرضه هدف العدوان في هذه المرحلة .. فكل جزء من الوطن العربي معرض لان يكون هدفا غدا أو بعد غد.
         لقد حذرت شخصيا في مؤتمرات القمة المتعاقبة قبل كارثة حزيران 1967 وبعدها من الاطماع الصهيونية في جنوب لبنان وفي منابع نهر الاردن.. ودعوت الى مراعاة هذا الوضع الدقيق ما لم توفر للبنان كل وسائل حماية نفسه وحفظ أرضه وهو يقف على مسافة من الارض تحاذي الخطر وتشكل أطول جبهة عربية مع العدو بعد جبهة الاردن. والآن  واسرائيل تحتل جنوب لبنان تتعزز في أذهان الواعين من أبناء امتنا صورة المخطط الصهيوني الاسرائيلي وهو يتحقق خطوة بعد خطوة.
         هل ستستمر الامة العربية في مشاهدة أجزائها تتأكل.. وأطرافها تتقطع ورقعتها تنحسر وكرامتها تهان دون أن تكون قادرة على منع ذلك أو ايقافه أو على الاقل مواجهته بمحاولة جادة لمنع انتشار المرض ومقاومته..
         هل تبقى الامة ممزقة في خلافاتها ضائعة في المتاهات التي تسوقها اليها صراعات قياداتها وكأننا في عهد جاهلية جديدة.
         هل يستدل من أجواء الاستكانة والجمود بل واللاأبالية في وطننا الكبير على أن أمتنا لا تفتقر للتخطيط والتنظيم والعمل المشترك الهادف فحسب .. بل ان الامة اخذت تفقد أولى مميزاتها
العفوية التي عرفناها عبر تاريخنا وهي النخوة والحمية والاباء...
         هذه الاسئلة التي تختلج في صدور أبناء وطننا والتي تثقل نفسي مطروحة أمام ضمير ووجدان كل قيادة عربية. وعلى القيادات العربية أن تجيب عليها اليوم اجابات مسؤولة شجاعة حكيمة بعيدة عن الانفعال الذي لا يجدي، والحقد على النفس وعلى الاخوة والقاء اللوم على الآخرين .
         ان أولى البديهيات هى اننا نحتاج للقاء عاجل على أعلى مستويات القيادة في الوطن العربي  للتشاور والمكاشفة والاتفاق على منهاج عمل عاجل وعميق لا يجوز أولا أن تمر هذه الكارثة الجديدة دون أن تتحرك القيادات العربية لمواجهتها وللحيلولة دون رسوخ الاحتلال الجديد وازاء استكانة العالم أمام هذا الواقع الشاذ الجديد .. اننا نعلم ان الوضع الذي خلقه العدوان الاسرائيلي الاخير يطرح معادلة جديدة للقوى وللاهداف التوسعية الاسرائيلية ضد الامة العربية ووحدتها ووجودها الحضاري الذي نعرفه ويعرفه العالم ، ان سلسلة التفاعلات التي يمكن أن تنشأ عن هذا العدوان الجديد، وهي التفاعلات التي يريدها العدو، يمكن أن تؤدي لمزيد من التمزق والتفتت في الاطار العربي من حول اسرائيل ويمكن أن تؤدي الى بعثرة وحدتنا القومية والى ارتداد لمسيرتنا وتقدمنا التاريخيين. اننا نسمع اصداء تفكير خصومنا فيما ينشر ويكتب ويذاع. فنلمس لمس اليد ما احست به الاجيال العربية الشجاعة الثائرة في مطلع هذا القرن من مخاوف التآمر على مستقبل الامة ومصيرها ووحدتها. ونلمس بوضوح كامل مخاطر الخطوات القادمة في المخطط المعادي اذا لم يواجهها العرب بجدار متين من الوحدة والقوة والتصميم والثبات ، ولئن كنا  في الاردن اكثر تحسسا وأعمق ألما وأبعد نظرة في تقدير الخطر والتحدي التاريخي .. فلاننا نواجهها مباشرة جغرافيا ونفسيا وفكريا ولان تاريخ الاردن الحديث بدأ بكفاح الرجل الكبير مؤسس المملكة وهو يعمل جاهدا لانقاذ البلاد من فك وعد بلفور والاطماع الصهيونية التي نراها تتجدد كل يوم.
         ان لقاء السادة القادة العرب المطلوب لن يكون لقاء فاعلا عميق الاثر اذا لم يقم على التزام بأن مواجهة التوسع العدواني الاسرائيلي  هي التزام قومي ليس مقصورا على الشعب الفلسطيني ولا على دول المواجهه وحدها وانما يمس الامة بمجموعها.
ان جهد القمة العربي يجب ان يهدف بالاضافة لمواجهة التطورات الاخيرة الى وضع خطة طويلة الامد واقعية، نزيهة، تحسب الواقع العربي والدولي وموازنات القوى بصدق ومسؤولية، وتعبىء امكانيات الامة العربية في اطار هذه الخطة.
         ان بناء القوة العربية الذاتية هو طريق النجاح في المواجهة والصمود والقوة التي نحتاج قوة شاملة تستند الى البناء في كل ميدان، ووحدة الجهد والعمل وتجنيد الموارد الضخمة التي فجرتها القدرة الالهية بين أيدي العرب. لقد قلت في السابق وأقول مرة أخرى ان لا سبيل لمواجهة الخطوات التوسعية الاسرائيلية ولا سبيل لرد الخصم الى حجمه والى خضوعه لمنطق الاعراف الدوليه ومفاهيم السلام العادل الا ببناء قوة عربية كبرى لتغير معادلة القوى الحالية وتفرض تغييرا اساسيا على تفكير القيادة الاسرائيلية والقوى الدولية التي تقف معها.
         وفي اطار الخطة العربية الشاملة ينبغي تنظيم كل عمل يستهدف مكافحة العدوان والنضال من أجل الحقوق الفلسطينية والقضية الفلسطينية والاهداف القومية العربية المشتركة.
         اننا في الاردن من أكثر الدول العربية تحسسا  بأهمية وضع الموارد العربية الضخمة في خدمة بناء القوة، اننا نقف في المواجهة ونحن مستهدفون نحمي من ورائنا أمتنا ونتلقى عن اخواننا الصدمات والضغوط ومصاعب الصمود وآلام القرارات الصعبة. ولئن كنا نقدر معنى المسؤولية القومية بكل جوارحنا ووجداننا، فاننا نعرف ايضا قيمة التضامن العربي الوثيق والعمل المشترك والتحرك الجماعي في العالم والقوة المؤثرة التي تتأتى عن طريق الادراك بالوحدة وبأن القدرات العربية بتصرف القضية المشتركة والعمل الموحد بما يواجه قوة الخصم مرحلة اثر اخرى.
         أيها الاخوة المواطنون،
         انني اهيب بالاخوة القادة العرب جميعا الارتفاع الى مسؤولية الظرف التاريخي الخطير، وانني ادعو مواطنينا الاحباء وابناء قواتنا المسلحة الى اليقظة والوعي والحس بالمسؤولية والتفكير المتزن، ولنحمل في قلوبنا الامل الكبير بأن تتحول نكستنا الاخيرة مع معاني البطولة التي اظهرتها المقاومة الباسلة وتضحيات شهدائنا الابرار على أرض فلسطين ولبنان وسواها الى نور يضيء الطريق للامة العربية في كفاحها العادل الطويل.
         والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3235551