... / مواضيع قانونية وابحاث قانونية / صلاحية السكوت للتعبير عن الإرادة في مجال عقد البيع في القانون المدني
صلاحية السكوت للتعبير عن الإرادة في مجال عقد البيع في القانون المدني
أرسل لصديق طباعه

صلاحية السكوت للتعبير عن الإرادة في مجال عقد البيع في القانون المدني

د.أمجد محمد منصور
ملخص
التعبير عن الإرادة  أمر ضروري ، وهو قد يتم باللفظ أو الكتابة أو الإشارة أو باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على حقيقة المقصود.
ولقد أثير نقاش في الفقه القانوني عن مدى اعدّ السكوت تعبيراً عن الإرادة ؟
ولقد حاولنا الإجابة عن جانب من هذا السؤال في مجال عقد البيع في القانون الأردني، سواء فيما يتعلق بأركان عقد البيع أو محله أو الآثار المترتبة عليه، فضلاً على بعض البيوع التي تقع على ملك الغير.وكذلك البيوع الموصوفة والمختلفة.
المقدمة
لا ريب أن الإرادة هي قوام التصرف القانوني، ومن غير المتصور أن ينشأ التصرف بدونها، لكن هذه الإرادة أمر نفسي داخلي تظل حبيسة داخل الشخص حتى يتم التعبير عنها فتظهر إلى العالم الخارجي.
فالتعبير عن الإرادة أمر ضروري، وقد وُجدت وسائل كثيرة لهذا التعبير، فقد يتم باللفظ أو الكتابة أو الإشارة أو باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على حقيقة المقصود. وعبرت المادة (93) من القانون المدني الأردني عن ذلك بقولها "التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المعهودة عرفاً ولو من غير الأخرس، وبالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي، وباتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على التراضي .
وإذا كان الأمر على هذا النحو، فقد يثار تساؤل مؤاده هل يصلح السكوت أن يكون وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة ؟
وقد اخترنا لهذا البحث جانباً من هذا السؤال حاولنا الإجابة عنه، وهو " عقد البيع" ومن ثم كان العنوان " صلاحية السكوت للتعبير عن الإرادة في مجال عقد البيع " وكان تركيزنا الأساسي على بيان هذا الدور في ظل القانون المدني الأردني  مع المقارنة بغيره من التشريعات كلما استلزم الأمر ذلك.
ولما كان عقد البيع هو عقد يقصد به نقل ملكية شيء أو حق مالي آخر لقاء عوض، ومن ثم فهو من عقود المعاوضة، فإن هناك أركاناً لا يقوم بدونها، كما أن هناك آثاراً تترتب على وجود هذا العقد، وأيضاً هناك قواعد مكملة واتفاقات لاحقة، هذا فضلاً على بعض البيوع التي تقع على ملك الغير كما أن هناك بيوعاً موصوفة وأخرى مختلفة كما نص عليها المشرع الأردني، وقد حاولنا من خلال تتبع هذه الموضوعات أن نتبين دور السكوت فيها، وهل يعد تعبيراً عن الإرادة من عدمه.

المبحث الأول
التعريف بالسكوت وتحديد طبيعته
وسوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نتحدث في أولهما عن التعريف اللغوي والاصطلاحي للسكوت ثم في المطلب الثاني نُحدد طبيعته.
المطلب الأول
التعريف اللغوي والاصطلاحي للسكوت
أولاً: التعريف اللغوي: وردت معانٍ متعددة للسكوت في معاجم اللغة العربية ( ) نذكر منها:
-  السكوت خلاف النطق: سكت: السكْتُ والسكوت: خلاف النطق.
- السكوت بمعنى الصمت: يقال سكت الصامت يسكت سكوتاً إذا صمت.
-  السكوت بمعنى قطع الكلام وتركه: يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف، إذا انقطع كلامه فلم  
    يتكلم.
- السكوت بمعنى الإعراض المتعمد عن الكلام.
- السكوت بمعنى السكون، ومنه قوله تعالى "ولما سكت عن موسى الغضب"
وواضح من هذه التعريفات اللغوية السابقة أن القاسم المشترك بينها أن السكوت هو عدم النطق.
ثانياً: التعريف الاصطلاحي للسكوت: يكاد الفقه القانوني يتفق على أن السكوت موقف سلبي لا يدل على شيء بحسب الأصل، لكن هذا السكوت إذا أحاطت به ظروف وملابسات تجعل السكوت يؤخذ على تعبير معين، فإنه يعتد به على هذا النحو، وهذا ما يُعرف بالسكوت الملابس، ومثل هذا السكوت يعدُ تعبيراً عن الإرادة ( ).
وقد تناولت التشريعات الإطار العام لدلالة السكوت، فتنص المادة (95) مدني أردني بأنه " 1-لا ينسب إلى ساكت قول ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان ويعتبر قبولاً 2- ويعتبر السكوت قبولاً بوجه خاص إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه"( ).
وما ورد بهذا الخصوص تتفق عليه معظم القوانين العربية، وإن اختلفت ألفاظ الصياغة، فالأصل عندها هو أن السكوت عدم، لكنه إذا صاحبته ظروف وملابسات تصرفه إلى معنى معين اعتبر كذلك على سبيل الاستثناء ولا يختلف الأمر عما سبق في ظل الفقه الفرنسي ( ).
كما نصت المادة (1751) من مجلة الأحكام العدلية على أنه " إذا عرض الحاكم اليمين على من توجهت عليه في الدعاوى المتعلقة بالمعاملات، ونكل عنها صراحة بقوله لا أحلف أو دلالة كسكوته بلا عذر حكم الحاكم بنكوله، وكان للحاكم أن يعامله كما لو قال أرفض حلف اليمين " ( ).
المطلب الثاني
طبيعة السكوت المعبر عن الإرادة
لقد تناولت التشريعات المختلفة طرق التعبير عن الإرادة، ولكنها لم تحدد السكوت باعتباره تعبيراً صريحاً أو ضمنياً، لكنها عدّت السكوت قبولاً في حالات استثنائية إذا لابسته ظروف معينة، كما أن هناك أموراً معينة نصت عليها التشريعات وعدّت السكوت فيها قبولاً أو رفضاً وهي ما تسمى بالسكوت الموصوف. فتنص المادة (144) مدني أردني على أنه " يعتبر السكوت عمداً عن واقعة أو ملابسة تغريراً إذا ثبت أن المغرور ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو الملابسة " ( ).
ولكن الفقه اختلف في تحديد طبيعة هذا التعبير بطريق السكوت إلى عدة آراء : فقد ذهب الرأي الأول إلى أن السكوت ليس تعبيراً عن الإرادة، وإن كانت تترتب عليه بعض الآثار القانونية باعتباره موقفاً موضوعياً. ويقيم هذا الاتجاه تفرقة بين السكوت الموصوف والسكوت الملابس فيقول" إن السكوت باعتباره مجرد موقف عضوي لا يتضمن سوى القصد، فإنه لا يعد أصلاً تعبيراً عن  الإرادة باستثناء تلك الحالة التي يكون فيها موصوفاً حيث يشكل تعبيراً صريحاً عن الإرادة، وفي غير هذه الحالة المحددة، فإنه لو ترتبت آثار قانونية أحياناً على السكوت، فإن ذلك لا يعني مطلقاً أنه تعبير عن الإرادة ولكن باعتباره مجرد واقعة قانونية مادية خاضعة لتقدير القضاء في كل حالة خاصة" ( ).
وواضح من هذا الاتجاه الفقهي أنه ينظر إلى السكوت الملابس باعتباره واقعة قانونية مادية، قد تترتب عليها بعض الآثار القانونية، لكن ذلك لا يعني أنه وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة .
وقد ذهب رأي ثان في الفقه إلى أن التعـبير عن الإرادة إما أن يكـون صريحاً وإما أن يكون ضمنياً، ولكل منهما طريقته المستـقلة، وبالتالي فإن السكوت الملابس لا يُعدُّ طريقاً من طرق التعبير الصريح أو الضمني وإنما هو طريق استثنائي بحت، له طبيعة خاصة، ولا يشاركه فيها أي من نوعي التعبير الصريح أو الضمني ( ).
أما الرأي الثالث، الذي عليه غالبية الفقه، فيقول بأن السكوت المجرد لا يعد إرادة ضمنية ولا تعبيراً عن الإرادة، لكن السكوت المعبر عن الإرادة – الموصوف أو الملابس –وسيلة استثنائية للتعبير عن الإرادة في مجال القبول وليس الإيجاب ( ) .
وإذا كان الفقه قد اختلف في تحديد نوع التعبير عن الإرادة بالسكوت، فإن القضاء بدوره لم يحسم الأمر في هذا الصدد، فغالبية الأحكام قد ذهبت إلى أن السكوت تعبير ضمني عن الإرادة، فتقول محكمة النقض المصرية إن "عدم اعتراض الشركة المؤجرة على واقعة تبادل المستأجرين بذات العقار 
للعين المؤجرة لكل منهما، رغم إخطارها بذلك مع استمرارها في تقاضي الأجرة مدة طويلة يعتبر إقراراً ضمنياً من المؤجر بالموافقة على هذا التبادل، ويغنى عن إصدار تصريح كتابي بذلك ( ).
كما قضى بأن " عدم منازعة الخصم في بعض وقائع الدعوى (سكوته عنها)، يجيز للمحكمة أن تعتبر ذلك إقراراً ضمنياً بها ..."( ) لكن بعض الأحكام- وهي قليلة- قد عدّت السكوت بمثابة التعبير الصريح عن الإرادة ( ).
وفي رأينا، وبعد عرض موقف كل من الفقه والقضاء، فإن السكوت يعدّ وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة، وهو يدل عليها بصورة صريحة في حالات السكوت الموصوف، وبشكل ضمني في حالات السكوت الملابس ( ).
المبحث الثاني
السكوت في التراضي على البيع
تمهيد وتقسيم : من المعلوم أن عقد البيع هو عقد يقصد به نقل ملكية شيء أو حق مالي آخر لقاء عوض، وقد عرّفت المادة (465) مدني أردني البيع بأنه " تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض" ، وعرفته المادة (418) مدني مصري بقولها " البيع عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقاً آخر في مقابل ثمن نقدي"
وفي الفقه الإسلامي قيل إن له معنيين، عاماً وخاصاً، فالبيع بمعناه العام هو "معاوضة مال بمال تمليكاً وتملكاً على التأبيد " فيشمل بذلك المقايضة والصرف والسلم، أما المعنى الخاص فهو " معاوضة عين بدين تمليكاً وتملكاً على التأبيد" وإذا أطلق البيع كان المقصود به هذا المعنى الخاص ( ).
ومن كل ذلك يتبين أن عقد البيع يكون ملزماً لكل من البائع والمشتري وهو من عقود المعاوضة، فكل من طرفيه يأخذ ويعطي في ذات الوقت، وهو بحسب الأصل عقد رضائي يتم بمجرد أن يتبادل طرفاه الاتفاق على المبيع والثمن أيا كانت وسيلة ذلك باللفظ أو الكتابة أو الإشارة ( ).
وبالتالي، فإن هناك أركاناً يقوم عليها عقد البيع، كما أن هناك آثاراً تترتب على وجود هذا العقد، وكل هذا يتطلب منا أن نعرض من خلالها للحالات التي يعد فيها السكوت معبراً عن الإرادة. وسوف نتحدث في هذا المبحث عن التراضي على البيع- الإيجاب والقبول- وذلك في مطلبين: ثم نعرض في مطلب ثالث للسكوت في مجال القواعد المكملة والاتفاقات اللاحقة .
المطلب الأول
السكوت في مجال الإيجاب بالبيع
المقصود بالإيجاب هو التعبير الذي يصدر من أحد المتعاقدين متضمناً رغبته الأكيدة في التعاقد مع آخر فيما لو صدر قبول من هذا الأخير ( ).
وتنص المادة (91/1) مدني أردني بأن " الإيجاب والقبول كل لفظين مستعملين عرفاً لإنشاء العقد وأي لفظ صدر أولا فهو إيجاب والثاني قبول " ( ).
وينبغي أن يتوافر في الإيجاب العناصر الأساسية للعقد المراد إبرامه، ففي عقد البيع يتضمن الإيجاب تحديد الشيء المبيع والثمن وأيّة شروط لها أهمية في التعاقد . وإذا كان الأمر على هذا النحو، وكان الإيجاب لا بد أن يتضمن الأمور الجوهرية في العقد، وبالتالي فإن السكوت لا يمكن اعتباره معبراً عن الإيجاب، إذ من غير المتصور أن يتضمن السكوت، هذا التحديد، كما أنه لا يمكن القول إن من يسكت يُفترض أنه يعرض شيئاً على آخر محدد المعالم، فالسكوت إذن لا يعمل به في مجال الإيجاب ( ).
وإذا كان ما تقدم هو ما عليه غالبية الفقه، فإن هناك اتجاهاً في الفقه الفرنسي يذهب إلى أن السكوت يمكن أن ينشئ إيجاباً إذا كان سكوتاً ملابساً، وذلك عندما يعرض التجار بضاعتهم في واجهات المحلات التجارية، أو وقوف سيارات الأجرة في الأماكن المخصصة لها ( ).
والحق أن الإيجاب في الأمثلة المتقدمة لم ينشأ عن السكوت، وإنما نشأ من اتخاذ موقف معين لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على الإيجاب، والإيجاب يستفاد من هذا الموقف وليس من السكوت( ).
المطلب الثاني
السكوت في قبول عقد البيع
القبول في البيع هو التعبير عن الإرادة  الصادر ممن وجه إليه الإيجاب والمتضمن موافقته على الإيجاب الصادر إليه بكل عناصره . وهو قد يكون باللفظ أو الكتابة أو الإشارة أو الفعل أو بالسكوت( ) .
 وإذا كان السكوت ليس مؤهلاً لإنشاء الإيجاب، فإنه على العكس يصلح للتعبير عن القبول، وهذا أمر مستقر لدى غالبية التشريعات وكذلك الفقه والقضاء، سواء فيما يتعلق بعقد البيع أو عقد آخر .
فقد نصت المادة (95) مدني أردني على أنه " 1-لا ينسب إلى ساكت قول ولكن السكوت في معرض الحاجة بيان ويعتبر قبولاً  2-ويعتبر السكوت قبولاً بوجه خاص إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه "( ).
لقد بيّن هذا النص القاعدة في السكوت، وهي أنه " لا ينسب لساكت قول" ولكن هذا السكوت إذا   لابسته ظروف معينة فإنه يعدُ قبولاً كأن تقتضيه طبيعة المعاملة أو العرف التجاري أو يكون مسبوقاً بتعامل يدل عليه، أو أن يؤدي إلى منفعة خالصة لمن وجه إليه.والذي يعنينا في هذا المقام هو عدّ السكوت قبولاً للإيجاب المعروض بالبيع أيا كانت الملابسات التي أدت إلى ذلك:
1. القبول بالسكوت بناء على تعامل سابق: فقد يكون هناك تعامل سابق بين المتعاقدين، ومن ثم فإن الموجب لا ينتظر في هذه الحالة تصريحاً بالقبول من الطرف الآخر، فالبائع الذي يرسل بضاعة إلى المشتري في مواعيد منتظمة وهو لا ينتظر منه رداً بالقبول، فهنا يعد سكوت العميل " المشتري" قبولاً. أو أن يعتاد المشـتري " تاجر التجـزئة" أن يطلب من البائع بضاعة معينة فيـقوم الأخير بإرسالها له دون أن يصرّح بالقبول، ومن ثم فإن طلبات المشـتري فيما بعد مع سكوت البائع كالمعتاد، يفسر على أنه قبول( ) .
2. القبول بالسكوت استناداً إلى طبيعة التعامل: قد تكون هناك ملابسات معينة في البيع والشراء مما يعد السكوت معه قبولاً. فإذا أرسل البائع فاتورة البضائع متضمنة شروط البيع إلى المشتري، ولم يعترض عليها الأخير، اعتبر سكوته قبولاً، أو أن يُدخلها مخازنه دونما اعتراض، فلا ريب أن كل ذلك يفسر منه على أنه قبول، إذ لو أراد الاعتراض لقام به( ).
3. القبول بالسكوت استناداً إلى العرف التجاري: للتجارة دائماً ظروفها الخاصة من حيث سرعة التعامل وما تقتضيه من ثقة بين التجار وحسم سريع لما ينشب من منازعات، فإذا جرى العرف التجاري على أن الموجب لا ينتظر تصريحاً بالقبول ممن وجه اليه الايجاب، كأن يوجه شخص إيجاباً بشراء بضاعة من آخر، تكون هذه البضاعة هي من صميم اختصاصه، عندئذ يعد سكوت هذا الأخير قبولاً طالما أن العرف التجاري يقضى بذلك ( ).
4. القبول بالسكوت عندما يؤدي الإيجاب إلى منفعة خالصة للقابل: لا ريب أن تمخض الإيجاب لمصلحة القابل، أمر يسهل تصوره في مجال التبرعات، أما أن يحدث ذلك في عقد البيع، وهو من عقود المعاوضات كما نعلم، فإن هذا أمر مستغرب، وإن كان الفقه يشـير "إلى إمكانيـة ذلك، فيقـول د. السنهوري " قد يحدث أن المشتري يبدأ بعرض ثمن معين، ويأبى ضمير البائع أن يسـايره في هذا الثمن فيـقبل البيع بثمن أقل، هو الثمن العادل في نظره، فهنا يكون إيجاب المشتري قد عارضه قبول البائع، فيعتبر قبول البائع إيجاباً جديداً... ويعتبر سكوت المشتري والإيجاب الجـديد نافع له نفعاً محضاً قبولاً لهذا الإيجاب الجديد فيتم البيع على الثمن الأقل. وإذا بدأ البائع بطلب ثمن معين، فأبى ضمير المشتري إلاّ أن يزيد في الثمن فقبول المشتري الشراء بالثمن الأكبر إيجاب جديد يقبله البائع بسكوته فيتم البيع على الثمن الأكبر"( ).
يتبين من كل ما تقدم أن السكوت يعدَّ قبولاً إذا أحاطت به ملابسات معينة تنبئ عن ذلك، كتعامل سابق أو طبيعة التعامل أو عرف تجاري أو منفعة خالصة لمن وجه إليه الإيجاب، بل إن هناك حالات للسكوت الموصوف أيضاً والتي تكون بنص أو عرف أو اتفاق ( ).
المطلب الثالث
السكوت في بعض البيوع الموصوفة
قد تدخل على عقد البيع- كما هو الشأن في سائر العقود- أوصاف مختلفة، كأن يعلق على شرط أو يضاف إلى أجل. فإذا لم يلحق الوصف كل آثار العقد فلا يعدُّ العقد نفسه موصوفاً، أما إذا لحق  لوصف كل آثار العقد فإن العقد يكون موصوفاً. والكثير من التشريعات تشترط في بعض الأحوال قدراً
من الوضوح في التعبير عن الإرادة بقبول الشيء أو رفضه، ومن هذا القبيل ما هو موجود في البيع بشرط التجربة وبيع المذاق، حيث نلمس للسكوت دوراً في ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر.ثم نتحدث عن البيع بالنموذج. وسوف نعرض في ثلاثة فروع على التوالي لهذه الموضوعات:
الفرع الأول
السكوت في البيع بشرط التجربة
البيع بشرط التجربة هو البيع الذي يتفق فيه على احتفاظ المشتري بحق تجربة المبيع، وقد يكون هذا الاتفاق صريحاً وقد يكون ضمنياً يستخلص من طبيعة المبيع وظروف التعامل، وعادة ما يرد في المنقولات كالسيارات والآلات الميكانيكية وغير ذلك، والتي لا يستوثق منها إلاّ بعد تجربتها، كما يرد في العقارات ( ).
والتجربة يقوم بها المشتري أو من يُنيبه في ذلك، وقد تتم بحضور البائع أو بدون حضوره. وفي القانون المدني الأردني يعدُّ البيع بشرط التجربة عقداً صحيحاً ونافذاً لكنه غير لازم في حق المشتري الذي يكون له أن يستقل بفسخه( ).
أما في ظل القانون المدني المصري فهو بيع معلق على شرط واقف هو قبول المشتري المبيع بعد تجربته ما لم يتفق المتعاقدان  صراحة أو ضمناً على اعتباره بيعاً مُعلقاً على شرط فاسخ هو عدم قبول المشتري المبيع بعد تجربته( ).
وقد أوجب القانون على المشتري في البيع بشرط التجربة أن يعلن البائع ويخطره برفضه المبيع إن شاء ذلك، وبالتالي فإن سكوته يعد رضاء بالمبيع وقبولاً له.  كما ورد في المادة (471/2) مدني أردني بأنه ( إذا انقضت مدة التجربة وسكت المشتري مع تمكنه من تجربة المبيع اعتبر سكوته قبولاً). والبيع بشرط التجربة يلزم له مدة يتفق عليها الطرفان، لكن عدم وجود مدة معينة ليس معناه أن هذا البيع باطل، بل يبقى العقد صحيحاً نافذاً في حق الطرفين، وتحمل المدة على المدة المعتادة وهي التي تعارف الناس على أنها تكفي لتجربة المبيع.  وهذا ما ذهب إليه القانون المدني الأردني في المادة (470/1) مدني حين قال ( يجوز البيع بشرط التجربة مع الاتفاق على مدة معينة فإن سكت المتبايعان عن تحديدها في العقد حملت على المدة المعتادة).  وهكذا نجد في هذا النص المتقدم دوراً آخر للسكوت، وذلك عندما لا يتفق الطرفان على مدة محددة، فإن سكوتهما يمكن القاضي من تطبيق النص المكمل الإرادة المتعاقدين فتحمل المدة على المدة المعتادة.
وإذا لم تكن المدة كافية لفحص المبيع وتجربته وطلب المشتري أجلاً جديداً لكن البائع سكت، فإن سكوته يُعدُّ قبولاً( ).
الفرع الثاني
السكوت في بيع المذاق
البيع بشرط المذاق هو نوع من تجربة المبيع لبيان مدى ملاءمته لذوق المشتري، وهو قد يتفق عليه صراحة وقد يستخلص من ظروف المبيع ذاته.
وقد نص القانون المدني الأردني في المادة 477 مدني على أنه (تسري أحكام البيع بشرط التجربة على البيع بشرط المذاق إلاّ أن خيار المذاق لا يورث).
يتضح من هذا النص أن المشرع الأردني قد عدّ بيع المذاق نوعاً من البيع بشرط التجربة، ومن ثم يأخذ حكمه أي أنه بيع صحيح ونافذ لكنه غير لازم ( ).
وبالتالي فإن للمشتري في البيع بشرط المذاق أن يجيز البيع، وعندئذ يصبح العقد لازماً في حقه بعد أن كان غير لازم على الرغم من صحته ونفاذه، وإذا قرر إجازة البيع فيجب أن يكون ذلك خلال المدة المحددة أو التي جرى عليها العرف، فإذا سكت بعد هذه المدة يعدُّ ذلك إجازة ضمنية للبيع ويصبح العقد لازماً في حقه من تاريخ البيع وليس من وقت المذاق والرضا بالمبيع ( ).

 الفرع الثالث
السكوت في البيع بالنموذج
يتم البيع بالنموذج عندما لا يكون المبيع حاضراً لدى المتعاقدين في مجلس العقد ويجري ذلك في الأموال المثلية كالمكيلات والموزونات والعدديات. وهو بيع شائع في الحياة، فقد يقدم البائع للمشتري نموذجاً يدل على نوعية المبيع وصفته وجودته. وللبيع بالنموذج شرطان أولهما أن يكون النموذج دالاً على المبيع، بحيث يعد المشتري عالماً به علماً نافياً للجهالة الفاحشة، وثانيهما أن يكون المبيع مطابقاً للنموذج، ولا تبرأ ذمة البائع إذا سلم شيئاً مختلفاً عن النموذج، وإذا حدث ذلك، فإن المشتري يكون مخيراً بين قبول المبيع أو إعادته أو فسخ العقد ( ).
وقد تناولت هذه الأحكام المادة (468) مدني أردني حيث جاء فيها:
( 1. إذا كان البيع بالنموذج تكفي فيه رؤيته ووجب أن يكون البيع مطابقاً له. 2.فإذا ظهر أنه غير مطابق له فإن المشتري يكون مخيراً إن شاء قبله وإن شاء رده).
والحقيقة أنه لا مجال للاعتداد بالسكوت في إطار النصوص التي تعالج البيع بالنموذج، فقد جاءت هذه النصوص دالة دلالة صريحة على ما قصده المشرع.
 
المطلب الرابع
السكوت في مجال التراضي على المسائل التفصيلية
أولاً: القواعد المكملة :
لكي يتم عقد البيع، فإنه ينبغي الاتفاق على المسائل الجوهرية، أما المسائل التفصيلية، فإنه يكفي في شأنها عدم اختلاف كل من البائع والمشتري عليها، فالعقد ينعقد حتى وإن سكت الطرفان عن الاتفاق على وقت دفع الثمن أو وقت تسليم المبيع أو من يلتزم بدفع مصروفات الشيء المبيع وغير ذلك من هذه الأمور، وإذا قام خلاف بين المتعاقدين على واحدة من هذه المسائل، فإن المحكمة تقضي فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة ( ).
ولكن إذا عرض المتعاقدان لشيء من ذلك عند التعاقد ولم يتفقا على مسألة منها أو اختلفا حولها، عندئذ فإن البيع لا يتم، وقد عالج ذلك المشرع الأردني فنص في المادة (100) مدني على أن:
1. يطابق القبول الإيجاب إذا اتفق الطرفان على كل المسائل الجوهرية التي تفاوضا فيها، أما الاتفاق على بعض هذه المسائل، فلا يكفي لالتزام الطرفين حتى لو أثبت هذا الاتفاق بالكتابة .
2. وإذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد ولم يشترطا أن العقد يكون غير منعقد عند عدم الاتفاق على هذه المسائل فيعتبر العقد قد انعقد، وإذا قام خلاف على المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها فإن المحكمة تقضي فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة " ( ) .
يتضح إذن أن القانون في تنظيمه للعقود يورد أحكاماً تُكمل إرادة المتعاقدين، وهذه الأحكام تُطبق إذا لم يرد في العقد ما يخالفها، فإذا سكت ذوو الشأن عن تنظيم أمر معين، فيفترض أنهم رضوا بما نظمه المشرع في هذا الصدد، من ذلك التزام البائع بتسليم المبيع بالحالة التي هو عليها عند
العقد، فسكوت المتعاقدين في هذه الحالة افترض معه المشرع، أن نيتهما قد اتجهت إلى أن يحل القاضي محل المتعاقدين في الفصل في هذه المسائل غير الجوهرية ( ).
ثانياً : الاتفاقات اللاحقة
 يتفق المتعاقدان على جميع المسائل الجوهرية ويحتفظان بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد، ولا ريب أن القانون يتكفل بمثل هذه المسائل إذا سكت ذوو الشأن عنها، لكن ذلك ليس حائلاً دون تنظيمها من قبل المتعاقدين، وتتأكد إرادتهما في تنظيم هذه الأمور التفصيلية إذا اشترطا ضرورة الاتفاق اللاحق بشأنها، إذ تكون نيتهما قد اتجهت إلى استبعاد القواعد المكملة في هذا الصدد ( ).
وقد نظم القانون المدني الأردني هذا الموضوع حين قال " وإذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفقان عليها فيما بعد، ولم يشترطا أن العقد يكون غير منعقد عند عدم الاتفاق على هذه المسائل، فيعتبر العقد قد انعقد، وإذا قام خلاف على المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها فإن المحكمة تقضي فيها طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة"( ).
هذا وقد يثار تساؤل آخر في شأن الأمور التفصيلية مفاده مدى إمكانية الاتفاق على هذه الأمور، في حالة العرض الذي يُبديه أحد المتعاقدين بشأنها وسكوت المتعاقد الآخر؟ وهل يعدُ ذلك قبولاً ؟
نرى في هذا الصدد أن مبادرة أحد المتعاقدين بتنظيم بعض الأمور التفصيلية وإرسالها إلى الطرف الآخر في التعاقد، لا يعتد به بحسب الأصل، إذ هو عمل فردي قام به، ولكنه يسري في مواجهة الطرف الآخر في حالة موافقته على ذلك، وهذه الموافقة تُستمد من سكوت الطرف الآخر وعدم اعتراضه، إذ لو أراد الاعتراض لفعل.
فمثلاً إذا اتفق البائع والمشتري على المسائل الجوهرية، كتحديد الشيء المبيع والثمن، ولكنهما تركا المسائل التفصيلية كلها أو جانباً منها، وبعد ذلك أرسل البائع الشيء المبيع إلى المشتري متضمناً فاتورة حدّد فيها هذه المسائل التفصيلية التي لم يكن قد تم الاتفاق عليها، عندئذ فإن استلام المشتري الشيء المبيع والفاتورة مع سكوته أو دون اعتراض ، يعدُ قبولاً من جانبه ( ).
يتبين إذن أن سكوت المشتري بعدما يتسلم البضاعة مصحوبة بقائمة الثمن تلابسه ظروف معينة تدعم القول بأن سكوته هذا ليس له من تفـسير إلاّ أنه قد قبل العـرض بشـروطه المرفقة معه . فلقد كان أمامه حق الاعتراض إذا اتجهت نيـته لذلك، وبالتالي فإن سكوته في هذه الحالة يعدُ سكـوتاً ملابساً ويفسر بأنه قبول .
 
المبحث الثالث
السكوت في إطار محل عقد البيع
يتضمن محل عقد البيع ركنين أساسيين لا يقوم بدونهما، هما الشيء المبيع والثمن، تسليم المبيع التزام يقع على عاتق البائع، وتسليم الثمن التزام يتكفل به المشتري ( ).
ومن الشروط اللازمة للشيء المبيع – كما هو معلوم – أن يكون موجوداً أو قابلاً للوجود، ومعيناً أو قابلاً للتعيين، كما يلزم ملكية البائع للمبيع وكونه غير مخالف للنظام العام والآداب .
ومن الشروط المتطلبة في الثمن كونه محدداً وجديّاً ونقدياً ونريد في هذا المقام أن نبين الدور الذي يناط بالسكوت في مجال بعض شروط محل عقد البيع، وبالتالي سوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نعرض في أولهما للسكوت في تعيين المبيع، ونبين في ثانيهما السكوت في تحديد الثمن.
المطلب الأول
السكوت في تعيين المبيع
لا يتم البيع إلاّ إذا كان الشيء المبيع معيناً تعييناً نافياً للجهالة بالقدر الذي يميزه عن غيره، ومن ثم يمنع الجهالة الفاحشة، بل إن بعض التشريعات اتجهت إلى منع الجهالة اليسيرة أيضاً، فاشترطت علم المشتري بالشيء المبيع علماً  كافياً ( ).
وقد نظم القانون المدني الأردني هذا الموضوع في المادة (466) مدني بقوله " 1-يشترط أن يكون المبيع معلوماً عند المشتري علماً نافياً للجهالة الفاحشة 2-يكون المبيع معلوماً عند المشتري ببيان أحواله وأوصافه المميزة له وإذا كان حاضراً تكفي الإشارة إليه" ( ).
يتضح من هذا النص أنه في حالة كون المبيع ليس حاضراً لدى المتعاقدين فإن البيع يتم على أساس بيان أحواله وأوصافه المميزة له ( كأن تكون سيارة فيذكر أنها من نوع كذا وموديل الصنع سنة كذا، وسعة المحرك كذا وكذلك قوته وغير ذلك) أما إذا كان المبيع حاضراً فليس هناك داعٍ لبيان أحواله وأوصافه المميزة له، وإنما تكفي الإشارة إليه فيقول البائع للمشتري بعتك هذا التلفاز مثلاً، فيقول المشتري قبلت.
لا بد إذن أن يكون المبيع معيناً بذاته أو بنوعه، ويحق للمشتري الذي لم يتوفر له العلم الكافي بالمبيع أن يطلب فسخ العقد (حالة العقد غير اللازم).
وقد يثبت للمشتري خيار الرؤية إذا لم ير المعقود عليه، فإن رأى المشتري الشيء المبيع وسكت" بحيث يفهم من سكوته رضاؤه بالمبيع، فقد سقط خياره ( ) لكنه إذا أعلن أن المبيع ليس على النحو المطلوب فيعدُّ العقد غير لازم بالنسبة له، ويستطيع المطالبة بفسخه.
المطلب الثاني
السكوت في تحديد الثمن
من المعلوم أن الثمن ركن في عقد البيع لا يقوم إلاّ به، وفي حالة عدم تحققه لا يمكن وصف العقد بالبيع، لكن المتعاقدين قد لا يحددان الثمن وقت العقد، ويقتصران على بيان الأسس التي يتحدد الثمن بناءً عليها في وقت لاحق، تحديداً يمنع النـزاع وينفي الجهالة .
ومن ثم فإن سكوت المتعاقدين عن تحديد الثمن عند العقد، واعتماد بعض الأسس التي يتحدد بمقتضاها مستقبلاً، لا يجعل العقد باطلاً، طالما أمكن استخلاص ذلك من الملابسات المحيطة بالعقد .
وقد نصت المادة (479) مدني أردني على أنه " يشترط أن يكون الثمن المسمى حين البيع معلوماً، ويكون معلوماً: 1- بمشـاهدته والإشـارة إليه إن كان حاضراً 2-ببيان مقداره وجنسه ووصفه إن لم يكن حاضراً 3- بأن يتفق المتبايعان على أسس صالحة لتحديد الثمن بصورة تنتفى معها الجهالة حين التنفيذ " ( ).
يتضح من ذلك أن سكوت المتعاقدين عن تحديد الثمن في العقد يتوقف على إمكانية هذا التحديد فيما بعد من عدمه، فإن لم يكن ممكناً تحديد الثمن، فالبيع باطل لتخلف ركن الثمن ، وإن كانت الأخرى وأمكن تحديد الثمن كان العقد صحيحاً. فالعقد يعدُّ صحيحاً بالرغم من سكوت المتعاقدين عن تحديد الثمن وقت العقد، طالما قد حددا أسساً لاحتساب ذلك مستقبلاً أو أمكن استخلاص ذلك من إرادتهما.
ويعدُّ الثمن غير قابل للتحديد، إذا سكت عن بيانه المتعاقدان، ولم يحددا بعض الأسس التي يمكن تقديره بناء عليها فيما بعد، ولم يكن هناك من الملابسات التي يستفاد منها هذا التحديد، ففي كل هذه الحالات لا نستطيع القول إن المتعاقدين قد ارتضيا ثمناً معيناً، ومن ثم يكون العقد باطلاً لانعدام الثمن .
وعلى العكس يكون الثمن قابلاً للتقدير، إذا سكت المتعاقدان عن تحديده، ولكنهما حددا الأسس التي يتم بمقتضاها هذا التقدير، أو كانت هناك من الملابسات ما يبعث على ذلك، كاعتماد السعر المتداول في التجارة أو الذي جرى عليه التعامل بينهما، عندئذ يُفسر سكوت المتعاقدين على انصراف نيتهما إلى اعتماد الثمن المحدد حسب الأسس المتفق عليها سواءً كان ذلك صراحة أو ضمناً ( ).
ومن الأسس التي يقول بها الفقه، والتي يعتمد عليها في تقدير الثمن عند سكوت المتعاقدين ( ) سعر السوق والثمن الذي اشترى به البائع، وأيضاً السعر المتداول في التجارة، أو السعر الذي جرى عليه التعامل بين المتعاقدين أو قد يُحددا شخصاً أو عدة أشخاص ليقوموا بهذا التقدير.
المطلب الثالث
السكوت في البيوع الواقعة على ملك الغير
تمهيد :
لكي يصح البيع ينبغي أن يكون الشيء المبيع مملوكاً للبائع، وهذا شرط بديهي سواء في القانون أو حتى في الفقه الإسلامي . لكن الواقع العملي يشهد بأن أناساً قد يبيعون ما لا يملكون، فيبيعون ملك غيرهم، وقد يكون هذا الملك خالصاً للغير، وقد يكون للبائع حصة فيه وتوجد صورة أخرى لمن يبيع شيئاً لا يملكه – حكما- كأن يبيع شيئاً وهو في مرض الموت .
في مثل هذه الحالات السابقة قد توجد دلالات معينة لسكوت أطراف التعاقد، مما يجعلنا نحاول إبرازها على النحو التالي:
أولاً: السكوت في بيع ملك الغير :
نصت المادة (550) مدني أردني على أنه " إذا باع شخص ملك غيره بدون إذنه جاز للمشتري أن يطلب فسخ البيع 2-ولا يسري البيع في حق مالك العين المبيعة ولو أجازه المشتري"
وجاء بالمادة (551/1) بأنه " إذا أقر المالك البيع سرى العقد في حقه وانقلب صحيحاً في حق المشتري"( ).
وواضح من ذلك أن بيع ملك الغير هو عقد قابل للفسخ لمصلحة المشتري في القانون المدني الأردني .
وقابل للإبطال في القانون المدني المصري لمصلحة المشتري، غير أنه في الحالتين لا يسري في مواجهة المالك الحقيقي للشيء المبيع إلاّ بإقراره، وفي هذه الحالة ينقلب البيع صحيحاً بالنسبة للمالك وأيضاً المشتري،في ظل القانون المصري،ويكون نافذاً في ظل القانون المدني الأردني،(إذ إن العقد الموقوف هو صحيح بحسب الأصل لكن غير نافذ) .
يحتاج بيع ملك الغير إذن إلى أمرين أساسيين، إجازة تصدر من المشتري، وأيضاً إلى إقرار من المالك الحقيقي( ).
وهذه الإجازة قد تكون في صورة صريحة أو ضمنية، وتستفاد هذه الأخيرة من قيامه بتنفيذ بنود العقد مع أنه يعلم عدم ملكية البائع للشيء المبيع، كأن يدفع ثمن هذا المبيع أو يتسلمه، أو أن يسكت عن الطعن عليه بالفسخ. كما أن الإقرار الصادر عن المالك الحقيقي قد يكون أيضاً في صورة صريحة أو ضمنية ( ).
فالسكوت يُفسر على أنه إجازه الدائن عن المطالبة به، كما تقضي بذلك القواعد العامة( )  . هذا، وقد ذهب بعض الفقهاء المحدثين إلى أن المذهب الحنفي يتجه إلى اعتبار السكوت إجازة لتصرف الفضولي( ).
ثانياً : السكوت في بيع الشريك المشتاع جزءاً مفرزاً من المال الشائع .
نصت المادة (1031/2) مدني أردني على أنه " وإذا كان التصرف منصباً على جزء مفرز من المال الشائع ولم يقع هذا الجزء عند القسمة في نصيب المتصرف انتقل حق المتصرف إليه من وقت التصرف إلى الجزء الذي آل إلى المتصرف بطريق القسمة، وإذا كان المتصرف إليه يجهل أن المتصرف لا يملك العين المتصرف فيها مفرزة حين العقد، فله الحق في إبطال التصرف "( ).
يشير هذا النص إلى أنه في حالة بيع الشريك المشتاع جزءاً مفرزاً من المال الشائع، ثم قُسّم هذا المال، وكانت حصة البائع نتيجـة لذلك جزءاً آخر غير الذي باعه، عنـدئذ فإن حـق المشتري ينتقل إلى هذا الجزء الواقع في نصيب البائع ومنح المشرع حقاً للمشتري في إبطال البيع حالة جهـله وقت العقد أن البائع لا يملك العين المبيعة مفرزة. وبالتالي فإن الخيار للمشتري بين إبطال عـقد البيع أو أن يأخذ الجزء الذي وقع في نصيب البائع نتيجة للقسمة، فإذا سكت المشتري عن التمسك بالإبطال فإن هذا يعدُ قبولاً من جانبه ( ).
ثالثاً: السكوت في بيع المريض مرض الموت :
تنص المادة (544) من القانون المدني الأردني على أن " 1-بيع المريض شيئاً من ماله لأحد ورثته لا ينفذ ما لم يُجزه باقي الورثة بعد موت المورث" وتنص المادة (545) مدني على أن " 1-بيع المريض
من أجنبي بثمن يقل عن قيمة المبيع وقت الموت نافذ في حق الورثة إذا كانت زيادة قيمة المبيع على الثمن لا تتجاوز ثلث التركة داخلاً فيها المبيع ذاته . 2-أما إذا تجاوزت هذه الزيادة ثلث التركة فلا ينفذ البيع ما لم يقره الورثة أو يكمل المشتري ثلثي قيمة المبيع وإلاّ كان للورثة فسخ البيع " ( ).
لا ريب أن السبب في تقييد تصرف الشخص في مرض الموت إنما يرجع إلى وجود حق للورثة في هذا المال، فمن المعلوم في الفقه الإسلامي أن حق الورثة يتعلق بأموال المورث منذ مرضه الذي يموت فيه ( ) فإذا باع بثمن أقل من قيمة المبيع، فإنها تأخذ حكم الوصية، وبالتالي فإذا كان التصرف منطوياً على تبرع يجاوز ثلث التركة، فهو غير نافذ في مواجهة الورثة إلاّ إذا أجازوه، أو بسقوط حقهم في دعوى عدم نفاذ التصرف .
وفي رأينا أن سكوت الورثة في هذه الحالة مدة معقولة حسبما يقدرها القاضي يُفسر على أنه إجازة، ذلك أنه كان بمقدورهم الاعتراض على تصرف المورث، فإذا سكتوا ولم يعترضوا فمعنى ذلك أن هذا السكوت إجازة، إذ ينطوي على احترام لإرادة المورث وهو يحقق أيضاً مصلحة المشتري ( ).
المبحث الرابع
السكوت في مجال آثار عقد البيع
من أهم الآثار التي ينتجها عقد البيع، بعـدما اكتملت أركانه، التـزام البائع بتسليم المبيع للمشتري، وأيضاً التزامه بضمان العيوب . وبالتالي فإننا سنعالج هذا الموضوع في مطلبين لنبين دور السكوت في هذه الحالات
المطلب الأول
السكوت في تسليم المبيع وتسلمه
1- السكوت عن اختلاف المبيع عن حالته وقت التعاقد :
الأصل أن يلتزم البائع بالمحافظة على الشيء المبيع وتسليمه للمشتري بالحالة المتفق عليها عند العقد، لكن المشتري إذا سكت عن تسليم المبيع مع تغير حالته، يفسر ذلك على رضاه ( ) والتزام البائع على
هذا النحو مرجعه نص المادة (489) مدني أردني التي تقول "يلتزم البائع بتسليم المبيع للمشتري بالحالة التي كان عليها وقت البيع" ( ).
ويعني ذلك أن تكون حالة المبيع عند تسليمه للمشتري هي نفس الحالة التي كان عليها عند التعاقد، لكن المشتري إذا تسلم المبيع ولم يعترض عليه ومضت على ذلك مدة كافية، فإن سكوته معناه أن هناك تطابقاً بين حالة المبيع عند التسليم وحالته عند العقد ( ).
ولكي يعتد بالسكوت، ينبغي أن تمضي فترة معقولة يحددها القاضي، بحيث يمكن معها القول إن الساكت قد عاين الشيء وارتضاه ( ).
2- السكوت عن نقص أو زيادة مقدار المبيع
هناك التزام يقع على عاتق البائع وهو أن يسلم المشتري الشيء المبيع بالمقدار المتفق عليه عند التعاقد، فإذا حدث زيادة أو نقصان فإن للمشتري – في حالات معينة – الحق في طلب الفسخ كما يكون له الحق في إنقاص الثمن بقدر نقصان المبيع، ويكون للبائع طلب تكملة الثمن بمقدار الزيادة في المبيع ( ) وقد حدد القانون المدني الأردني مدة قصيرة لا تسمع بعدها الدعوى في هذه الحالات، فتقول المادة (493) مدني أردني بأنه " لا تسمع الدعوى بفسخ العقد أو إنقاص الثمن أو تكملته إذا انقضت سنة على تسليم المبيع "( ).
والذي يعنينا في هذا الصدد، وكما يقول بعض الفقه – بحق – أنه " يجوز للمشتري أن ينـزل عن حقه في الدعاوي التي يخولها إياه نقص مقدار المبيع نزولاً صريحاً أو ضمنياً، ويعتبر نازلاً ضمنياً عن حقه في طلب الفسخ إذا تسلم المبيع مع علمه بالعجز دون أن يبدي أي تحفظ، كما يعتبر نازلاً عن طلب إنقاص الثمن إذا وفّى بعد التسليم بالثمن كاملاً، ولم يثر مسألة عجز المبيع دون أن يكون هناك ما يمنعه من ذلك "( ).
وفي هذا الإطار فإن سكوت البائع حال تسليم المبيع إلى المشتري وهو يعلم بزيادة مقداره، يعد رضاءً منه بالبيع بالثمن الذي اتفق عليه، ولا يحق له بعد ذلك أن يطلب تكملة الثمن، إذ إن ذلك يعدُ من جانبه موقفاً واضحاً بالرضاء.
3- سكوت المشتري عن تأخر البائع في تسليمه المبيع.
لا ريب أن البائع يلتزم بتسليم الشيء إلى المشتري في الوقت المتفق عليه بينهما، وإلاّ حسبما يقضي العرف أو طبيعة الشيء المبيع ( ) فإذا تأخر البائع في تنفيذ التزامه هذا، فإن للمشتري أن يطالبه بالتنفيذ العيني حسبما تقضي بذلك القواعد العامة، لكن المشتري قد يسكت عن المطالبة بحقه، عندئذ يفسر سكوته على أنه قد تنازل عن حقه في طلب التنفيذ العيني إلى الفسخ ( ).
المطلب الثاني
السكوت في التزام البائع بضمان العيوب
من الالتزامات التي تُثقل كاهل البائع، التزامه بضمان العيوب التي تظهر بالمبيع، ذلك أنه من المفروض أن يمكّن المشتري من الانتفاع الكامل بالشيء المبيع، وبالتالي فكل عيب خفي هو ضامن له.
لكن العيوب الظاهرة لا يضمنها إلاّ إذا كان سيئ النية، باعتبار هذا العيب الظاهر من السهل على المشتري أن يتبينه. وينبنى على ذلك أنه إذا كان العيب موجباً للضمان، تقوم مسئولية البائع بضمانه، ويحق للمشتري الرجوع على البائع بضمان هذا العيب، ويبقى حقه قائماً لا يسقط إلاّ إذا رضى بالعيب أو تنازل عن حقه في الرجوع صراحة أو ضمناً .
وبالتالي فإن هناك نوعين من العيوب تكتنف الشيء المبيع، عيب ظاهر وآخر خفي، والعيب الظاهر لا يضمنه البائع، لكنه يضمن العيب الخفي فقط، فهو ما تستلزمه طبيعة الأشياء وقصد المتعاقدين ويوجبه حسن التعامل بين الناس، فمن يشتري شيئاً من آخر يفترض أنه بحالة تمكنه من الانتفاع به الانتفاع الأمثل، وإذا علم بغير ذلك لما تعاقد عليه( )، وتنص المادة (512/1) مدني أردني على أن (يعتبر البيع منعقداً على أساس خلو المبيع من العيوب إلاّ ما جرى العرف على التسامح به).
أما السكوت عن العيب الخفي، فإنه يسقط حق المشتري في الرجوع على البائع، في حالة علم المشتري بالعيب، وقد تناول ذلك نص المادة (514) مدني أردني حين قال: " لا يكون البائع مسؤولاً عن العيب القديم في الحالات التالية: 1-إذا بيّن البائع عيب المبيع حين البيع 2- إذا اشترى المشتري المبيع وهو عالم بما فيه من العيب 3- إذا رضى المشتري بالعيب بعد اطلاعه عليه أو بعد علمه به من آخر 4-إذا باع البائع المبيع بشرط عدم مسؤوليته عن كل عيب فيه أو عن عيب معين إلاّ إذا تعمد البائع إخفاء العيب أو كان المشتري بحالة تمنعه من الاطلاع على العيب " .
والعيب الخفي كما يقول المشرع الأردني هو " الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي أو لا يكشفه غير خبير أو لا يظهر إلاّ بالتجربة " ( ) .
وإذا كان العيب خفياً على هذا النحو، فإن البائع يضمنه، ما لم يثبت أن المشتري كان يعلم به وقت التسليم، ويستطيع الإثبات بكافة الطرق. فإذا كان المشتري يعلم بوجود العيب، ومع ذلك تعاقد على الشيء المبيع فإن سكوته هذا يفسر من جانبه على أنه قد تنازل عن حقه في الرجوع بالضمان ( ). وهو موقف واضح من جانبه.
فالعيب الذي يصيب الشيء المبيع قد يكون خفياً لا يُكتشف بالطرق العادية لكنه قد يكون معلوماً لدى المشتري، ومن ثم فإن سكوته مع علمه بالعيب يكون دلالة على سوء نيته، إذ إن العيب في هذه الحالة عيب ظاهر، ولا يعتبر عيباً خفياً، وإذا أقدم المشتري على الشراء بالرغم من وجود العيب، فإنه يفترض عندئذ أن هذا العيب لا أثر له في استعمال الشيء، وأنه قد تنازل عن حقه بالرجوع بالضمان .
إذن ننتهي إلى القول بأن علم المشتري بالعيب وسكوته عن ذلك عند التعاقد أو التسليم يسقط حقه في الضمان

المطلب الثالث
السكوت في التزام البائع بضمان التعرض والاستحقاق
يلتزم البائع بتسليم الشيء إلى المشتري بحالة تمكنه من الانتفاع الهادئ دون أن يتعرض له عائق يحول بينه وبين هذا الانتفاع وهذا ما يطلق عليه "ضمان التعرض والاستحقاق".
والتعرض هو قيام البائع أو الغير بأعمال من شأنها أن تحول دون الانتفاع الهادئ للمشتري، أو الإدعاء بملكية المبيع ملكية تامة أو ناقصة. والبائع يضمن تعرض الشخص سواءً كان مادياً أو قانونياً، لكنه يضمن تعرض الغير إذا كان قانونياً فقط ( ).
أما الاستحقاق فهو انتهاء حالة التعرض القانوني بثبوت الحق للمدعي (مدعي الاستحقاق) على الشيء المبيع ولو كان ثبوته قضاء بالإقرار أم النكول عن حلف اليمين أو التصالح ( ).
ويعدُ الالتزام بالضمان متصلاً اتصالاً وثيقاً بالتزام البائع بنقل الملكية إذ إن هذا النقل يقتضي حيازة المشتري وتمتعه به بكامل سلطاته ولن يتحقق ذلك إذا كان هناك أيّ تعرض للمشتري في حيازته للمبيع أو في استعماله إياه- وهو التزام مقرر بنص القانون ولا يجوز الاتفاق على مخالفته ( ).
وفي الحقيقة نكاد نلمس دوراً للسكوت في مجال الالتزام الواقع على البائع بضمان التعرض والاستحقاق، وهي حالة كون سبب الاستحقاق ظاهراً، وفي حالة قيام البائع بإعلام المشتري بسبب استحقاق المبيع وسكوت المشتري عن ذلك وإقدامه على الشراء فإنه يفترض من سكوته أنه قد قبل عدم الرجوع على البائع بضمان الاستحقاق، فلا تُقبل دعواه بعد سكوته على النحو المذكور ( ).
 
المبحث الخامس
السكوت في بعض البيوع المختلفة
            بعد أن تحدث المشرع في عقد البيع عن أركانه وآثاره، تحدث عن بعض أنواع البيوع المختلفة وسوف نقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب، نعرض في المطلب الأول لبيع السلّم وفي المطلب الثاني نتناول المخارجة، ثم في المطلب الثالث بيع النائب لنفسه وأخيراً المقايضة.
المطلب الأول
السكوت في بيع السلّم
            عرفت المادة (532) مدني أردني بيع السلّم بأنه ( بيع مال مؤجل التسليم بثمن معجل). وحددت المادة ( 533) الشروط اللازم توافرها لصحة بيع السلّم:
1. أن يكون المبيع من الأموال التي يمكن تعيينها بالوصف والمقدار ويتوافر وجودها عادة وقت التسليم.
2. أن يتضمن العقد بيان جنس المبيع ونوعه ومقداره وزمان إيفائه.
3.  إذا لم يعين في العقد مكان التسليم لزم البائع تسليم المبيع في مكان العقد. وتعنى الفقرة الثالثة من هذا النص، أنه لا بد من معرفة مكان تسليم المبيع، إذ إن عدم معرفته ستؤدي إلى نزاع بين الطرفين، فإذا كان هذا المكان ليس محدداً في اتفاق المتعاقدين فليس معنى ذلك بطلان الاتفاق، إذ جعل المشرع هذا النص مكملاً لإرادة المتعاقدين، فإن اتفقا على مكان  معين للتسليم عُمل به، وإلاّ فإن سكوتهما يُفسر على أنهما ارتضيا حكم القانون بأن يكون مكان التسليم هو المكان الذي تم فيه التعاقد.
المطلب الثاني
السكوت في المخارجة
            جاء تعريف المخارجة في المادة (539) مدني أردني بأنها بيع الوارث نصيبه في التركة بعد وفاة المورث لوارث آخر أو أكثر بعوض معلوم ولو لم تكن موجودات التركة معينة.
يتبين من هذا التعريف أن المخارجة هي اتفاق يبيع بمقتضاه أحد الورثة نصيبه في الأموال التي آلت إليه من مورثه بعد وفاته لوارث آخر أو أكثر بعوض معلوم يتفقان عليه، وتعدُّ المخارجة صحيحة حتى وإن كانت موجودات التركة غير معينة ( ).
ويشترط لصحة المخارجة شروط عدة أولها أن يبيع الوارث نصيبه في التركة إلى وارث آخر أو أكثر، وثانيهما أن يكون البيع بعد وفاة المورث وثالثها أن يتم البيع بعوض معلوم.
ونلحظ دوراً للسكوت في مجال المخارجة مستفاداً من نص المادة (542) مدني التي ألزمت المشتري اتباع الإجراءات التي يوجبها القانون لنقل كل حق اشتملت عليه الحصة الإرثية محل التخارج.
وإذا كان المشرع قد ألزم المشتري بمصاريف نقل الملكية ونفقات التسليم وغير ذلك من أجور، فإنه قد جعل هذا النص مكملاً لإرادة المتعاقدين فإن اتفقا على خلافها عُمل باتفاقهما وإلاّ فإن سكوتهما معناه أنهما تركا الأمر لما قرره المشرع ( ).

المطلب الثالث
السكوت في المقايضة
يقترب تعريف المشرع الأردني للمقايضة من تعريفه للبيع، إذ قرر في المادة (552) مدني أردني بأن المقايضة: مبادلة مال أو حق مالي بعوض من غير النقود ( ).
ولهذا فإن المشرع لم يفرد للمقايضة فصلاً مستقلاً، وإنما جعلها تطبيقاً للبيع وأوردها ضمن تطبيقاته تحت عنوان "بيوع مختلفة".
وقد أكدت المادة (556) مدني أردني هذا المعنى بقولها " تسرى أحكام البيع المطلق على المقايضة فيما لا يتعارض مع طبيعتها". وبالتالي فإن خصائص البيع هي ذاتها خصائص المقايضة، وأركانهما واحدة، ففي المقايضة ينبغي وجود إرادتين متطابقتين ليس بهما عيوب كالغلط والإكراه والتغرير مع الغبن، وأن تتوافر الأهلية اللازمة لإبرامها، كما أن المقايضة يمكن أن توجد على أساس النموذج أو بشرط التجربة أو المذاق ( ).
وقد نصت المادة (555) مدني أردني على أنه " مصروفات عقد المقايضة ونفقات التسليم وما ماثلها تكون مناصفة بين طرفي العقد ما لم يتفق على غير ذلك".
يتضح من هذا النص أنه جاء مكملاً لإرادة المتعاقدين فإن اتفقا على تقسيم معين للمصروفات فإن هذا الاتفاق هو الذي يُعمل به، فإن سكتا فسر سكوتهما على الرضاء بحكم القانون ( ).

المطلب الرابع
السكوت في بيع النائب لنفسه
بيع النائب لنفسه عالجه المشرع الأردني من خلال نصين هما المادة (548)، (549)، فقد جاء في الأولى " لا يجوز لمن له النيابة عن غيره بنص في القانون أو باتفاق أو أمر من السلطة المختصة أن يشتري بنفسه مباشرة أو باسم مستعار ولو بطريق المزاد ما نيط به بمقتضى هذه النيابة وذلك مع مراعاة أحكام الأحوال الشخصية" وفي الثانية نص على أنه " لا يجوز للوسطاء أو الخبراء أن يشتروا بأسمائهم أو باسم مستعار الأموال التي عهد إليهم في بيعها".
ويظهر من هذين النصين أن المنع يشمل فئتين من الأشخاص، الأولى ينوبون عن غيرهم في بيع الأموال وهم إما أن يكونوا نواباً بنص تشريعي أو بأمر من السلطة أو بالاتفاق، والفئة الثانية هم من يقومون ببيع أموال غيرهم كالوسطاء والخبراء ويشترط المشرع لكي يمنع هؤلاء من شراء الأموال أن يعهد إليهم ببيعها لكن إذا عهد إليهم شيء آخر كالإيجار وليس البيع فلا يكون هناك منع بشأنهم والمنع هنا يرتبط بقاعدة آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها ( ).
وهكذا لا نجد في الواقع مجالاً للسكوت في هذا الموضوع سواءً في إطار المادة (548) أو في مجال المادة (549) وهاتان المادتان هما اللتان عالجتا موضوع بيع النائب لنفسه.
الخاتمة
هذه دراسة تناولت موضوع " صلاحية السكوت للتعبير عن الإرادة في مجال عقد البيع" ، وكما نعلم، فإن القانون المدني الأردني قد نص في المادة (93) مدني على أن " التعبير عن الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة المعهودة عرفاً ولو من غير الأخرس وبالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي وباتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على التراضي" .
ولقد أثير نقاش في الفقه القانوني عن مدى صلاحية السكوت لأن يشكل تعبيراً عن الإرادة، وقد حاولنا المساهمة بجهد متواضع في تبيان جانب من هذه الإجابة في مجال عقد البيع في ظل نصوص القانون المدني الأردني، من حيث انعقاد البيع (الايجاب والقبول) .
ومن حيث محل العقد (المبيع والثمن ) ، وأيضاً بعض البيوع التي تقع على ملك الغير، وأخيراً فيما يتعلق بآثار عقد البيع وبخاصة التزام البائع بضمان العيوب الخفية، وكذلك في مجال البيوع الموصوفة والبيوع المختلفة.
وقد خلصنا من هذه الدراسة إلى أن للسكوت عدة دلالات في مواضع كثيرة بحسب الملابسات التي يوجد فيها هذا السكوت على النحو التالي:
أولاً: لقد اختلف الفقه والقضاء في تحديد نوع التعبير عن الإرادة بالسكوت ، وقد انتهى بنا الرأي إلى اعتباره وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة، وهو يدل عليها بصورة صريحة في حالات السكوت الموصوف، وبشكل ضمني في حالات السكوت الملابس.
ثانياً: فيما يتعلق بالإيجاب لا يصلح السكوت لأن يكون إيجاباً سواءً في القانون أو في الفقه الإسلامي، وإن كان سكوت الموجب بعد صدور الإيجاب – فترة من الزمن- يعدُ دليلاً على رغبته في استمرار ايجابه حتى يلاقي قبولاً أو رفضاً ممن وجه إليه
ثالثاً: إن القاعدة العامة في السكوت، أنه لا ينسب لساكت قول ولكن السكوت يعدُ قبولاً بوجه خاص إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الايجاب بهذا التعامل أو إذا تمخض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه .
رابعاً: يورد القانون في تنظيمه للعقود أحكاماً تكمل إرادة المتعاقدين وهذه الأحكام تُطبق إذا لم يرد في العقد ما يخالفها، فإذا سكت ذوي الشأن عن تنظيم أمر معين، فيفترض أنهم رضّوا بما نظمه المشرع في هذا الصدد.
خامساً: إن سكوت المتعاقدين عن تحديد الثمن في العقد يتوقف على مدى تحديده مستقبلاً، فإن كان من الممكن تحديده فالعقد يعتبر صحيحاً بالرغم من سكوت المتعاقدين عن تحديد الثمن وقت العقد، طالما قد حددا أسساً معينة لاحتساب ذلك في المستقبل أو أمكن استخلاص ذلك من إرادتهما الضمنية.
سادساً: إذا ثبت للمشتري خيار الرؤية لعدم رؤيته المعقود عليه، فإن سكوته بعد الرؤية يفسر على رضائه بالمبيع وإسقاطه لخياره في الفسخ .
سابعاً: إن سكوت المشتري عند تسلمه المبيع مع تغير حالته التي كان متفقاً عليها، يُفسر على أنه رضي بذلك، ولكن ينبغي أن تمضي على ذلك فترة معقولة يقدرها القاضي بحيث يمكن معها القول إن الساكت قد عاين الشيء ورضي به .
ثامناً: إن سكوت البائع عند تسليم المبيع للمشتري مع علمه بزيادة مقداره يعدُ رضاءً من جانبه بالبيع بالثمن المتفق عليه ولا يحق له بعد ذلك أن يطلب تكملة الثمن .
تاسعاً: إن سكوت المشتري عن تأخر البائع في تسليمه المبيع في الوقت المحدد، يفسر على أنه قد تنازل عن حقه في المطالبة بالتنفيذ العيني واكتفى بالفسخ .
عاشراً: إذا كان المشتري يعلم بوجود العيب الخفي، ومع ذلك تعاقد على الشيء المبيع، فإن سكوته هذا يفسر على أنه قد تنازل عن حقه في الرجوع بالضمان على البائع .
حادي عشر: إذا قام البائع بإعلام المشتري بسبب استحقاق المبيع- حالة كون سبب الاستحقاق ظاهراً- وسكوت المشتري عن ذلك وإقدامه على الشراء فإنه يكون قد قبل بعدم الرجوع  على البائع بضمان الاستحقاق.
ثاني عشر: لاحظنا اختلافاً بين موقف كل من المشرع المصري والمشرع الأردني في تكييف البيع بالمذاق، إذ اعتبره الأول وعداً بالبيع، بينما اعتبره الثاني عقداً صحيحاً ونافذاً لكنه غير لازم، وهذا الاختلاف في التكييف قد أدى إلى اختلاف نظرة كل منهما للسكوت بعد المذاق، فقد جعله المشرع المصري رفضاً، في حين اعتبره المشرع الأردني قبولاً.
ثالث عشر: هناك دور للسكوت في مجال البيع بشرط التجربة وذلك عندما لا يتفق الطرفان على مدة محددة، فإن سكوتهما يعني أن القاضي يحمل هذه المدة على المدة المعتادة كما أشارت إلى ذلك المادة (470/1) مدني أردني.
وكذلك الشأن في مجال السلّم والمخارجة والمقايضة إذ جاءت النصوص في كل منها مكملة لإرادة المتعاقدين، فإن سكتا فمعنى ذلك أنهما ارتضيا حكم القانون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3243491