... / مواضيع قانونية وابحاث قانونية / سن البلوغ والرشد وأهلية التقاضي والالتزام المالي
سن البلوغ والرشد وأهلية التقاضي والالتزام المالي
أرسل لصديق طباعه

بسم الله الرحم الرحيم
سن البلوغ والرشد وأهلية التقاضي والالتزام المالي
إعداد القاضي الدكتور أحمد علي جرادات قاضي عمان الشرعية


الفصل الأول: سن البلوغ.
وينضوي تحت هذا الفصل عدة مباحث هي:
المبحث الأول: تعريف البلوغ لغة واصطلاحا والألفاظ ذات الصلة.
المبحث الثاني: ما يعرف به بلوغ الصغير (علامات البلوغ).
المبحث الثالث: تصرفات الصغير.
الفصل الثاني: سن الرشد.
وينضوي تحته عدة مباحث هي:
المبحث الأول: تعريف الرشد لغة واصطلاحا ووقت الرشد وكيفية معرفته.
المبحث الثاني: بم يعرف رشد الصبي ووقت الاختبار.
المبحث الثالث: الولي وتصرفاته في مال الصبي.
الفصل الأول
سن البلوغ
المبحث الأول:
تعريف البلوغ لغة واصطلاحا والألفاظ ذات الصلة.
البلوغ لغة: الوصول، يقال بلغ يبلغ بلوغا وبلاغا أي وصل وانتهى.
وبلغ الصبي: أحتلم وأدرك وقت التكليف، وكذلك بلغت الفتاة ( ).
البلوغ اصطلاحا: عرفه المالكية: انتهاء حد الصغر في الإنسان ليكون أهلا للتكاليف الشرعية، أو هو قوة تحدث في الصبي يخرج بها عن حالة الطفولية إلى غيرها ( ).
عرفه الحنفية: بأنه انتهاء حد الصغر ( ).
وهو تعريف مشابه لتعريف المالكية.
الألفاظ ذات الصلة بالبلوغ:
هناك ألفاظ لها صلة بالبلوغ ومرتبطة بها ولا تنفك عنه، ومن هذه الألفاظ:
1. الكبر: يطلق الفقهاء الكبر في السن على معنيين:
الأول: بلوغ الإنسان مبلغ الشيخوخة والضعف بعد تجاوزه مرحلة الكهولة( ).
الثاني: أن يراد به الخروج عن حد الصغر لدخوله مرحلة الشباب فيكون بمعنى البلوغ المصطلح عليه.
2. الإدراك: إدراك الصبي والفتاة إذا بلغا.
وقد استعمل الفقهاء الإدراك بمعنى بلوغ الحلم، فيكون مساويا للفظ البلوغ بهذا الإطلاق، ويطلق بعض الفقهاء الإدراك ويريدون به أوان النضج ( ).
3. الحلم والاحتلام: الحلم والاحتلام هو أن يرى النائم أنه يجامع سواء أكان مع ذلك إنزال أم لا.
ثم استعمل هذا اللفظ بمعنى البلوغ، وعلى هذا يكون الحلم والاحتلام والبلوغ بهذا المعنى ألفاظا مترادفة.
4. المراهقة:مقاربة الاحتلام ولم يحتلم بعد، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للمراهقة عن المعنى اللغوي( ).
5. وللمراهق والمراهقة أحكام تتعلق بهما نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر ومن هذه الأحكام:
أ‌. الطلاق:
قال النووي: لا يقع طلاق الصبي ولا مجنون لا تنجيزا ولا تعليقا لعدم التكليف.
فلو قال مراهق: إذا بلغت فأنت طالق فبلغ، أو قال أنت طالق غدا فبلغ قبل الغد فلا طلاق ( ).
وقال الحنفية:
"إن المطلقة ثلاثا يحلها وطء من تزوجها بعقد صحيح ولو مراهقا يجامع مثله"
قال بن عابدين "إن المراهق هو الداني من البلوغ ولا بد أن يطلقها بعد البلوغ لأن طلاقه قبل البلوغ غير واقع، وقيد المراهق بأنه الذي يجامع مثله" ( ).
ب‌. الشهادة:
قال الحنبلية في شهادة المراهق: "لا ينعقد – أي النكاح – بشهادة صبيين لأنهما ليسا من أهل الشهادة...ويحتمل أن ينعقد بشهادة مراهقين عاقلين" ( ).
المبحث الثاني:
ما يعرف به بلوغ الصغير:
يعرف بلوغ الصغير والصغيرة تارة بالسن وتارة بعلامات تدل عليه وأن لم يبلغ حد السن المقرر وتفصيل ذلك:
1. الحنفية:
قال الحنفية: يعرف بلوغ الذكر بالاحتلام وإنزال المني وأحبال المرأة ودليل ذلك:
أ‌. قول الله تعالى: "وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا"( ).
ب‌. قوله – صلى الله عليه وسلم – "رفع القلم عن ثلاثة ... ومنهم الصبي حتى يحتلم"( ).
ت‌. قوله – صلى الله عليه وسلم – "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"( ).
فإذا لم يعلم شيء من ذلك عنهما فأن بلوغهما يعرف بالسن، فمتى بلغ سنهما خمس عشرة سنة فقد بلغا الحلم.
إلا أن الإمام أبا حنيفة قال: "إنما يبلغان بالسن إذا أتم الذكر ثماني عشرة سنة والأنثى سبع عشرة سنة"( ).
وأدنى مدة بلوغ للذكر أثنتا عشرة سنة وللأنثى تسع سنوات وهو المختار عند الحنفية"( ).
2. المالكية:
قال المالكية: يعرف البلوغ بعلامات:
الأولى: إنزال المني مطلقا في اليقظة أو في الحلم.
الثانية: الحيض والحبل وهو خاص بالمرأة.
الثالثة: إنبات شعر العانة الخشن، أما الشعر الرقيق فأنه ليس بعلامة وكذلك شعر اللحية والشارب فأنه ليس بعلامة، فقد يبلغ الإنسان قبل أن ينبت له شيء من ذلك بزمن طويل.
الرابعة: نتن الإبط.
الخامسة: فرق أرينة الأنف.
السادسة: غلظ الصوت، مشترك بين الذكر والأنثى.
ودليل حصول البلوغ بالإثبات أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "أقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم، والشرخ الغلمان الذين لم ينبتوا".
فإذا لم يظهر شيء من ذلك كان بلوغ الصغير بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل أنه يبلغ بمجرد الدخول في السنة الثامنة عشرة ( ).
3. الشافعية والحنبلية:
قال الشافعية:
يعرف بلوغ الذكر والأنثى بتمام خمس عشرة سنة قمرية بالتحديد ويعرف بعلامات أخرى منها:
- الإمناء، ولا يكون علامة على البلوغ إلا إذا أتم الصبي تسع سنين فإذا أمنى قبل ذلك يكون المني ناشئا عن مرض لا عن بلوغ فلا يعتبر.
- ومنها الحيض في الأنثى، وهو ممكن إذا بلغت تسع سنين تقريبا( ).
ودليلهم على تحديد السن خمسة عشرة ما رواه بن عمر قال: "عُرٍضت على النبي - صلى الله عليه وسلم – يوم أحد وأنا أبن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وَعُرِضتَ عليه يوم الخندق وأنا أبن خمسة عشرة سنة فأجازني ورآني     بلغت" ( ).
علامات البلوغ الطبيعية لدى الخنثى
الخنثى إن كان غير مشكل وألحق بالذكور أو الإناث فعلامة بلوغه بحسب النوع الذي ألحق به ...
أما الخنثى المشكل:
فعلامات البلوغ الطبيعية لديه كعلامات البلوغ لدى الذكور والإناث فيحكم ببلوغه بالإنزال أو الإنبات أو غيرهما من العلامات المشتركة وهذا قول المالكية والحنبلية وقول بعض الشافعية.
أما القول الثاني المعتد عند الشافعية انه لا بد من وجود العلاقة في الفرجين جميعا.
فلو أمنى الخنثى من ذكره وحاضت من فرجها أو أمنى منهما جميعا حكم ببلوغه.
أما لو أمنى من ذكره فقط أو حاضت من فرجها فلا يحكم بالبلوغ ( ).
وقد أستدل الحنبلية على الاكتفاء بأي العلامات تظهر أولا:
بأن خروج مني الرجل من المرأة مستحيل، وخروج الحيض من الرجل مستحيل، فكان خروج أي منهما دليلا على تعيين كون الخنثى أنثى أو ذكرا فإذا ثبت التعيين لزم كونه دليلا على البلوغ كما لو تعين قبل خروجه...، ولأنه مني خارج من ذكر أو حيض خارج من فرج فكان علما على البلوغ كالمني الخارج من الغلام والحيض الخارج من الجارية ( ).
إثبات البلوغ
يثبت البلوغ بالإقرار وبالعلامات الظاهرة ...
اتفق الفقهاء على أن الصغير إذا كان مراهقا، وأقر بالبلوغ بشيء من العلامات الطبيعية التي تخص عادة كالإنزال والاحتلام والحيض يصح إقراره وتثبت له أحكام البالغين فيما له وما عليه.
الحنفية:
لا يقبل إقرار الصبي قبل تمام اثني عشر عاما والصغيرة قبل تمام التاسعة، وهذا رأي الحنبلية أيضا ( ).
أما المالكية:
فقالوا: يقبل قوله في البلوغ نفيا وإثباتا طالبا أو مطلوبا.
فالطالب: كمن ادعى البلوغ ليأخذ سهمه في الغنيمة.
والمطلوب: كجان أدعى عدم البلوغ ليدرأ عن نفسه الحد أو القصاص.
ويشترط لقبول قوله أن يكون قد جاوز السن الأدنى للبلوغ، بل لا تقبل البينة ببلوغه قبل ذلك ( ).
وقد اشترط الفقهاء لصحة إقراره بذلك:
أن لا يكون بحال مريبة، وقد عبر الحنفية بذلك أن لا يكذبه ظاهر الحال بل يكون بحال يحتلم مثله( ).
وفصل المالكية فقالوا:
إن أرتيب فيه يصدق فيما يتعلق بالجنابة والطلاق.
فلا يحد للشبه ولا يقع عليه الطلاق استصحابا لأصل الصغير ولا يصدق فيما يتعلق بالمال، فلو أقر بإتلاف الوديعة وأنه بالغ فقال أبواه غير بالغ فلا ضمان ( ).
المبحث الثالث
تصرفات الصغير
أختلف الفقهاء في حكم تصرفات الصغير على النحو التالي:
يرى الحنفية والمالكية ضرورة التفرقة بين المميز وغير المميز...
ولم يفرق الشافعية والحنبلية بينهما.
الحنفية والمالكية:
الصغير أما مميز وأما غير مميز...
وغير المميز هو الذي لم يتم سن السابعة من العمر، والمميز هو الذي أكمل سن السابعة.
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين".
والتصرفات أما قولية أو فعلية:
فالتصرفات الفعلية: كالإتلاف والغضب، فيضمن كل منهما ما اتلف من مال أو نفس ( ).
 التصرفات القولية:
- إن صدرت التصرفات القولية من غير مميز فلا تعتبر لفقدانه أهلية الأداء والتصرف لأنه لا عقل له ولا تمييز فلا يعتبر رضاه ولا قصده ... فلا يصح عقده ولا إقراره ولا طلاقه.
- إن صدرت من مميز فهي على ثلاثة أنواع:
الأول: التصرف النافع له نفعا محضا ... كقبول الهدية أو الوصية، يصح منه وينفذ بدون إجازة وليه أو وصية رعاية الجانب نفعه.
الثاني: التصرف المتردد بين النفع والضرر، كالشراء والبيع والزواج ... ينعقد منه موقوفا على إجازة الولي أو الوصي إذا كان المميز يعقل البيع بأن يعلم أن البيع سالب والشراء جالب، فإذا أجاز الولي أو الوصي نفذ وإذا لم يجز بطل.
الثالث: التصرف الضار ضررا محضا: كتبرعه بشيء من ماله أو طلاقه زوجته يبطل منه ولا ينعقد ولو صححه إجازة الولي لأن الإجازة لا تلحق الباطل ( ).
الشافعية والحنبلية:
تعتبر التصرفات المالية من الصبي المميز وغير المميز باطلة.
قال الشافعية: لا تصح تصرفات المميز وأن أذن له الولي" ( ).
وأتفق المذهبان على ضمان إتلاف الصغير من مال أو نفس كالحنفية والمالكية. أما الحنبلية فقالوا بصحة تصرف المميز بأذن وليه ( ).
الفصل الثاني
سن الرشد
المبحث الأول
 تعريف الرشد لغة واصطلاحا ووقت الرشد وكيفية معرفته.
التعريف اللغوي: الصلاح وإصابة الصواب والاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه( ).
ومن أسماء الله تعالى الرشيد، وهو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، أي هداهم ودلهم عليها، فهو رشيد بمعنى مرشد.
وقيل هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد من غير إشارة مشير ولا تسديد مسدد ( ).
التعريف الاصطلاحي:
عند الجمهور: هو الصلاح في المال فقط، وهذا قول أكثر أهل العلم ( ). مستندين لقوله تعالى: "فإن آنستم منهم رشدا ً فادفعوا إليهم أموالهم" ( ).
والأصح عند الشافعية أن الرشد الصلاح في الدين والمال لأن الآية عندهم عامة، وكلمة رشد نكرة في سياق الشرط فتعم المال والدين.
فالرشد أذن هو من لا يفعل محرما يبطل العدالة، ولا يبذر بأن يضيع المال باحتمال غبن فاحش في المعاملة أو أنفاقه في محرم ( ).
وقت الرشد وكيفية معرفته
 إذا بلغ الصغير رشيدا ً، أو بلغ غير رشيد تم رشد دفع عليه ماله لقوله تعالى: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" ( ).
ولقوله صلى الله عليه وسلم "لا يتم بعد احتلام" ( ).
وبهذا قال الجمهور ( ).
وقال المالكية:
الصغير أما أن يكون ذكرا أو أنثى:
فأن كان ذكرا فهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون أبوه حيا، فأنه ينفك عنه الحجر ببلوغه ما لم يظهر منه سفه أو يحجره أبوه.
الثاني: أن يكون أبوه قد مات، وعليه وصي فلا ينفك الحجر عنه إلا بالترشيد، فأن كان الوصي من الأب – الوصي المختار – فله أن يرشده من غير أذن القاضي.
الثالث: أن يبلغ ولا يكون له أب ولا وصي فهو محمول على الرشد إلا أن يتبين سفهه.
أما إن كانت أنثى فهي على قسمين:
الأول: أن كان لها أب فأنها إذا بلغت تبقى في حجره حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، ويشترط حسن تصرفها في المال بشهادة العدول ...
الثاني: إن كان عليها وصي، لا ينفك الحجر عنها إلا بأربعة أشياء:
أ. بلوغها.
ب.الدخول بها.
ج.بقاؤها مدة بعد الدخول بها.
د.ثبوت حسن تصرفها بشهادة العدول ( ).
أما الحنفية:
يرى أبو حنيفة إلى أن الصبي أن بلغ غير رشيد لم يدفع إليه ماله حتى يبلغ سن خمسة وعشرين عاما، وينفذ تصرفه قبل بلوغه هذه السن مع إيناس الرشد ويدفع إليه أمواله متى بلغ المدة ولو كان مفسدا لقوله تعالى "وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب"( ).
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:
ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة( ).
كيفية معرفة الرشد
ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الرشد المعتد به لتسليم المال لليتيم لا يكون إلا بعد البلوغ، فأن لم يرشد بعد بلوغه استمر الحجر عليه حتى ولو صار شيخا عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة.
وهذا الرشد قد يأتي مع البلوغ، وقد يتأخر عنه قليلا أو كثيرا تبعا لتربية الشخص واستعداده وتعقد الحياة الاجتماعية وبساطتها، فإذا بلغ الشخص رشيدا كملت أهليته وارتفعت الولاية عنه وسلمت إليه أمواله باتفاق الفقهاء.
وإذا بلغ غير رشيد وكان عاقلا كملت أهليته وارتفعت الولاية عنه عند أبي حنيفة إلا انه لا يسلم إليه أمواله بل تبقى في يد وليه أو وصيه حتى يثبت رشده بالفعل أو يبلغ خمس وعشرين سنة، فإذا بلغ هذه السن سلمت إليه أمواله ولو كان مبذر لا يحسن التصرف، لأن منع المال عنه كان على سبيل الاحتياط والتأديب.
وقال الجمهور: من المالكية والشافعية والحنبلية وهو قول لأبي يوسف ومحمد من الحنيفية أن الشخص إذا بلغ غير رشيد كملت أهليته ولكن لا ترتفع الولاية عنه وتبقى أمواله تحت يد وليه أو وصيه حتى يثبت رشده لقوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا، وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم" ( ).
فدلالة الآية على منع الأولياء والأوصياء من دفع المال إلى السفهاء وناط دفع المال إليهم بتوافر شرطين، البلوغ والرشد، فلا يجوز دفع المال إليهم بالبلوغ دون الرشد ( ).
المبحث الثاني
بم يعرف رشد الصبي ووقت الاختبار
يعرف رشيد الصبي باختباره، لقوله – صلى الله عليه وسلم – "ابتلوا اليتامى" أي اختبروهم.
والاختبار بأن تفوض اليه التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله، ويختلف ذلك باختلاف طبقات الناس، فولد المزارع يختبر في أمر الزراعة والإنفاق على القوام بها والمحترف فيما يتعلق بحرفته، وولد التاجر في البيع والشراء، والمرأة في تدبير المنزل وحفظ الثياب وصون الأطعمة، ( ) إلا أن هذا الأمر كان في الأزمان الماضية، في الوقت الذي لم تكن فيه المرأة معلمة أو مهندسة أو عالمة فلك، أو تاجرة.
وذكر الشافعية وجهين في كيفية الاختبار:
أصحهما أن يدفع إليه قدر من المال ويمتحن في المماكسة والمساومة فإذا آل الأمر إلى العقد عقد الولي.
والثاني: يعقد الصبي ويصح منه هذا العقد للحاجة ( ).
وقت الاختبار
ذهب الحنفية والشافعية والحنبلية في ظاهر مذهبهم أن وقت الاختبار يكون قبل البلوغ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح" ( ).
وجه الدلالة من الآية: إن ظاهرة الآية يدل على أن الابتلاء والاختبار قبل البلوغ لوجهين:
الأول: أنه سماهم يتامى، وإنما يكونون يتامى قبل البلوغ.
الثاني: أنه مد اختبارهم إلى البلوغ بلفظ حتى، فدل على أن الاختبار قبله، ولأن تأخير الاختبار إلى البلوغ يؤدي إلى الحجر على البالغ الرشيد لأن الحجر يمتد إلى أن يختبر ويعلم رشده، واختباره قبل البلوغ يمنع ذلك فكان أولى ( ).
وذكر المالكية والشافعية والحنبلية في وجه آخر أن يكون لاختبار بعد البلوغ لأنه مثله ليس أهلا للتصرف، إذ البلوغ الذي هو مظنة العقل لم يوجد فكان عقله بمنزلة المعدوم ( ).
دفع المال إلى الحر البالغ العاقل غير الرشيد
- ذهب الأمام أبو حنيفة إلى أن الغلام إذا بلغ غير رشيد لم يسلم اليه ماله حتى يبلغ خمس وعشرين سنة، فأن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه لأنه لا يرى الحجر على البالغ العاقل الحر إلا إذا تعدى ضرره إلى العامة كالطبيب الجاهل.
- وذهب أبو يوسف ومحمد من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية إلى عدم جواز دفع المال إلى غير الرشيد حتى يؤنس منه الرشد بعد البلوغ، ولا ينفك الحجر عنه ولو صار شيخا ولا يجوز تصرفه في ماله أبدا.
وأستدل أبو حنيفة بقوله تعالى:
"وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب"( ).
وجه الدلالة: أن المراد به بعد البلوغ تنصيص على وجوب دفع المال اليه بعد البلوغ إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة إجماعا، ولا إجماع هنا فيجب دفع المال بالنص.

وإنما سمي يتيما لقربه من البلوغ، ولأن أول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا فقدرناه بخمس وعشرين سنة لأنه حال كمال لبه ( ).
واستدل الجمهور بعدم جواز دفع المال اليه قبل رشده وعدم صحة تصرفه فيه بما يأتي:
1. قوله تعالى: "وابتلوا اليتامى ... " ( ).
وجه الدلالة: علق دفع المال إليهم بشرطين، البلوغ وإيناس الرشد والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما.
2. قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ... " ( ).
وجه الدلالة: أن معنى أموالكم أي أموالهم.
3. قوله تعالى: "فأن كان الذي عليه الحق سقيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليمل وليه بالعدل" ( ).
وجه الدلالة: أنه أثبت الولاية على السفيه، ولأنه مبذر لماله فلا يجوز دفعه     اليه ( ).
المبحث الثالث:
الولي وتصرفاته في مال الصبي:
الولي: هو صاحب السلطة الشرعية التي يمكن بها صاحبها من التصرف في مال غيره من غير توقف على إجازة أحد.
آراء الفقهاء في ذلك:
أولا: الحنفية:
الولي الذي له حق التصرف في مال الصغير هو أبوه، ثم وصي الأب بعد موته ثم وصي وصيه، ثم جده لأبيه ثم وصي جده ثم وصي وصيه ثم الوالي ثم القاضي أو وصي القاضي.
وهذا الترتيب مبني على درجة الشفقة، فشفقة الأب فوق شفقة الكل وهكذا...
وما عدا المذكورين من العصبات كالأخ والعم أو غيرهما كالأم فليس لهم الإشراف على أموال الصغار، ولا يملكون الأذن للقاصر بالتجارة وهذا الترتيب في شأن الأموال ( ).
كما يرى الحنفية أن الولي لا يملك شيئا من التبرعات من مال الصغير لأن ذلك محض ضرر، فلا يقرض ماله ولا يوصي به ولا يتصدق به ولا يطلق إمرأته ولا يهب شيئا من ماله من غير عوض.
كما أنه ليس للولي أو الوصي أن يهب بعوض عند أبي حنيفة وأبي يوسف لأن الهبة بعوض هبة ابتداء وإنما تصير معاوضته انتهاء وهو لا يملك الهبة.
وله – أي الولي أو الوصي – إعارة مال القاصر استحسانا وإيداعه ورهنه بدين القاصر لأن التصرف من توابع التجارة وهو يملكها.
وللولي أن يبيع مال القاصر بأكثر من قيمته ويشتري له شيئا بأقل من قيمته لأنه نفع محض له، كما له أن يبيع مال القاصر بمثل قيمته وبأقل من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة.
وله أن يؤاجر نفس القاصر وماله بأكثر من أجر مثله أو بأجر مثله أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة، فإذا بلغ القاصر له الخيار إن شاء أمضاها وإن شاء أبطلها وفقا للضرر ولا خيار للقاصر في إجارة المال لأن الأب يملك ذلك بحسب المصلحة وينفذ تصرفه ( ).
وله أن يسافر بمال الصغير وان يضارب به وان يوكل بالبيع والشراء والاجارة والاستئجار لأن هذه التصرفات من توابع التجارة، وكل من ملك التجارة ملك ما هو من توابعها.
وللولي العدل بيع عقار القاصر بمثل القيمة أو بأكثرها، ولا يجوز بيعه لنفسه إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا البيع وينفذ بيع الوصي بإجازة القاضي ( ).
ثانيا: المالكية:
يرى المالكية أن الولي على الصغير هو الأب الرشيد ثم وصي الأب ثم للحاكم.
فإذا انعدم الحاكم فالولاية لجماعة المسلمين.
لذا فأنه لا تثبت الولاية المالية للجد والعم إلا بإيصاء من الأب ( ).
وقد فرق المالكية بين الولي والوصي:
فتصرفات الولي في مال الصغير عند المالكية صحيحة وذلك لمصلحة القاصر. فالأب له بيع مال ولده الصغير مطلقا عقارا أو منقولا، ولا يتعقب بحال، ولا يطلب منه بيان سبب البيع لأن تصرفه محمول على المصلحة.
إما الوصي: فلا يبيع عقار محجورة إلا لسبب يقتضي بيعه، وليس له هبة الثواب من مال الصغير إلا للضرورة لأنه إذا هلك الموهوب لم يلزم إلا قيمته يوم الهلاك، ومن الجائز أن تنقص قيمته يوم الهلاك عن قيمته يوم الهبة وهذا ضرر بالقاصر ( ).
وقد عدد المالكية أحد عشر سببا لجواز بيع عقار القاصر من قبل الوصي أو الحاكم للضرورة وهي: ( )
1. الحاجة الضرورية للبيع كنفقة أو وفاء دين لا قضاء له إلا من ثمنه.
2. الخوف عليه من ظالم يأخذه غصبا أو يعتدي على ريعه ولم يستطع رده.
3. المصلحة الظاهرة البينة بأن يبيعه بزيادة الثلث على ثمن المثل فأكثر.
4. أن يكون موظفا عليه ضريبة ظالمة، فيباع ليشترى له مالا توظيف عليه إلا أن يكون الأول أكثر ريعا.
5. أن يكون حصته مع شريك فيباع ليشترى له عقار مستقل لا شركة فيه تخلصا من ضرر الشركة.
6. أن يكون ريعه قليلا أو لا ريع له أصلا فيباع ويستبدل له ما فيه ريع أكثر.
7. أن يكون العقار بين جيران سوء في الدين والدنيا، أو بين جيران ذميين فيباع ليستبدل به عقار بين جيران صالحين.
8. أن يكون مشتركا غير قابل للقسمة فيبيع شريكه حصته فيباع مع بيع شريكه.
9. أن يخاف خرابه وله مال يعمر به ولكن بيعه أولى من تعميره.
10. أن يخاف خرابه ولا مال للمحجور عليه يعمر به إذا خرب فيباع.
11. أن يصبح المنزل منفردا في مكان نائي لانتقال العمارة عنه فيباع.
ثالثا: الشافعية والحنبلية:
يرى الشافعية والحنبلية أن ولي الصبي هو أبوه ثم جده لأبيه ثم وصي من تأخر موته من الأب أو الجد ثم القاضي أو نائبه، ولا لسائر العصبات كالأخ والعم... كما لا ولاية للأم في الأصح ( ).
كما يرى الشافعية ومعهم الحنبلية أن الولي يتصرف للقاصر بالمصلحة وجوبا فيحفظ ماله عن أسباب التلف ويستثمره ويتاجر له فيه حتى لا تأكله المؤن وقد استند الشافعية في ذلك لحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من ولي يتيما وله مال فليتاجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ( ).
كما للولي أن يسافر بمال الصغير وقت الأمن إذا اقتضت المصلحة السفر به ولا يشتري له ما يسرع اليه الفساد وان كان مربحا وليس له بيع عقاره إلا في موضعين:
أحدهما: الحاجة
كنفقة أو كسوة إذا لم تف غلة العقار بهما ولم يجد من يقرضه أو خاف خرابه.
الثاني: المصلحة الظاهرة:
 كان يرغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمن مثله وهو يجد مثله ببعضه أو خيرا منه ، أو يكون ثقيل الخراج أو المغارم والضرائب مع قلة ريعه.
وله بيع مال القاصر مبادلة بعرض آخر ونسيئه للمصلحة التي يراها فيهما، شرط أن يكون المشتري موسرا وثقة والأجل قصير عرفا وذلك احتياطا له( ).

 وإذا أراد الولي بيع مال القاصر بماله:
فأن كان أبا ً أو جدا ً جاز البيع لأنهما لا يتهمان فيه لكمال الشفقة عليه وأن كان غيرهما لم يجز واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم – "لا يشترى الوصي مال اليتيم".
ولأنه متهم بمراعاة مصلحته في بيع مال القاصر من نفسه.
وقد اتفق الحنبلية مع المالكية على الأسباب التي يجوز فيها بيع عقار القاصر.
وفي المحصلة: اتفق الفقهاء على أن الولي يتصرف وجوبا في مال الصبي القاصر بالمصلحة وعدم الضرر لقوله تعالى: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن" ( ).
وقوله سبحانه وتعالى: " وان تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح" ( ).
كما أنهم اتفقوا على أن الغني لا يأكل من مال اليتيم وللفقير أن يأكل بالمعروف من غير إسراف لقوله تعالى: "ومن كان غنيا فاليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف".
المراجع
1. ابن نجيم / زين الدين بن إبراهيم، الأشباه والنظائر الأولى 1983.
2. الأصبحي / الأمام مالك بن أنس، المدونة الكبرى، دار صاد – بيروت.
3. ابن الهمام/ كمال الدين محمد بن عبد الواحد، فتح القدير، دار الفكر – بيروت.
4. ابن جزي/ محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي، قوانين الأحكام الشرعية، دار العلم – بيروت.
5. ابن رشد/ محمد بن رشد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة – بيروت.
6. ابن عابدين/ رو المختار علي الدر المختار، دار الكتب العلمية.
7. ابن قدامة/ أبو محمد موفق الدين عبد الله، المغني، مكتبة بن تيمية.
8. الأنصاري/ أبو يحيى زكريا بن محمد، أسنى المطالب في شرح روض الطالب، المطبعة الجامعية – القاهرة 1313 هـ.
9. البهوتي/ منصور بن يونس بن إدريس، شرح منتهى الإرادات ط 3 – بيروت.
10. البهوتي/ كشاف القناع على متن الإقناع، دار الفكر 1982 – بيروت.
11. الجرجاني/ السيد الشريف أبو الحسن علي محمد علي الحسيني، التعريفات، دار الكتب العلمية – بيروت.
12. حيدر/ علي، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، دار الكتب العلمية.
13. الخطيب الشربيني/ شمس الدين محمد بن أحمد، مغني المحتاج إلى المعرفة ألفاظ المنهاج / طه 1958 – الرياض.
14. الدردير/ أبو البركات أحمد بن محمد بن أحمد، الشرح الصغير، الشرح الكبير.
15. الدسوقي/ شمس الدين محمد عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، بدونه.
16. الزيلعي/ فخر الدين عثمان بن علي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ط2 – القاهرة.
17. الشيرازي/ أبو إسحاق بن علي بن يوسف الفيروز أبادي، المهذب – مصطفى البابي الحلبي.
18. قاضي زادة شمس الدين أحمد بن محمود الرومي، تكملة فتح القدير، دار الفكر – بيروت.
19. الكاسائي/ علاء الدين أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع في ترتيب    الشرائع – ط2.
20. النووي/ أبو زكريا محيي الدين بن شرف، روضة الطالبين، دار الكتب العلمية – بيروت.
21. ابن منظور/ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، ط3 دار حيات التراث العربي.
22. الفيومي/ أحمد بن محمد بن علي الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، دار القلم – بيروت.

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3103319