... / مواضيع قانونية وابحاث قانونية / الفَسْـخُ أوْ التَفْـرِيـقْ للعَيْبْ
الفَسْـخُ أوْ التَفْـرِيـقْ للعَيْبْ
أرسل لصديق طباعه

الفَسْـخُ أوْ التَفْـرِيـقْ للعَيْبْ
إعداد الشيخ سليم علي المصري
المفتش في المحاكم الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة :

 الحمد لله القائل في كتابه العزيز : " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة "   .
 والصلاة والسلام على نبينا محمد العربي الأمين القائل : " تناكحوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة "  .
 والصلاة والسلام على أنبياء الله أجمعين ورضي الله عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين  .
 وبعد فإن الله سبحانه وتعالى جعل حفظ النوع الإنساني ووجود النسل الصالح ومن ثم المجتمع الصالح يكمن في حقيقة الزواج على ما شرعه الله سبحانه وتعالى إذ الزواج في الإسلام مودة ورحمة ومعاشرة بالمعروف فاقتران الرجل بالمرأة ضمن هذا الإطار الذي هو المودة والرحمة والسكن والراحة النفسية ، ومن ثمار هذا الاقتران  التناسل    .
 فإن وجد ما من شأنه أن يخرج الزواج عن هذا الإطار ويمنع التناسل ويخل بالمقصود من عقد الزواج أصبح العقد غير صالح للبقاء بل في بقائه ضرر والضرر يزال ؛ إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام  .
 وإن أمكن الكشف عما يمكن أن يكون سبباً في إخراج الزواج عن إطاره الصحيح قبل انعقاد النكاح فيكون أولى بالاتباع من أجل ذلك حث الإسلام على حسن اختيار الزوج والزوجة كل لشريكه قبل إمضاء العقد حتى يتبين له هيئتة وصحتة وسلامته من العيوب فلا يندم على نكاحه وذلك أدعى لاستقرار الحياة الزوجية والانسجام والطمأنينة على مستقبل الحياة الزوجية وشيوع الألفة والمودة والرحمة والسكينة بين الأزواج    .
 
دليل مشروعية الفسخ أو التفريق للعيب

 الأصل في خيار العيب ما ورد من الأحاديث الشريفة والآثار في ذلك وإجماع الصحابة والقياس   .

أولاً :- الأحاديث الشريفة والآثار :
1- ما رواه الإمام أحمد في المسند (1) من حديث يزيد بن كعب بن عميرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة من بني غفار فلما دخل عليها ، ووضع ثوبه ، وقعد على الفراش أبصر بكَشْحِها (2) بياضاً فانحاز عن الفراش ثم قال : " خذي عليك ثيابك " ؛ ولم يأخذ مما آتاها شيئاً   .
 وفي رواية قال " دلَّستُم علَيّ "   .
2- ما رواه الإمام مالك في الموطأ (3) : عن سعيد بن المسيب أنه قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : " أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها ، فلها صداقها كاملاً  وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليها " وفي لفظ : " قضى عمر في البرصاء والجذماء والمجنونة ؛ إذا دخل بها فرق بينهما والصداق لها ( بمسيسه إياها ، وهو له على وليها " (4)   .
3- أخرج عبد الرزاق في المصنف (5) : عن سعيد بن المُسَيَّب قال : " قضى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الذي لا يستطيع النساء أن يؤجل سنة " وفي رواية له : " أن عمر بن الخطاب جعل للعنين أجل سنة ، وأعطاها صداقها وافياً " ، قال ابن القيم (6) وجاءت الفرقة بالعنَّة عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وسمرة بن جندب ومعاوية بن أبي سفيان والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والمغيرة بن شعبة   .
4- ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري عن إسماعيل عن الشعبي عن علي – رضي الله عنه قال : " يرد من القرن والجذام والجنون والبرص ، إلا إذا دخل بها فعليه المهر ، إن شاء طلقها وإن شاء لم يطلق وإن شاء أمسك ؛ وإن لم يدخل بها فرق بينها " (7)   .
5- وأخرج عبد الرزاق في المصنف (8) عن عطاء : بلغنا أنه لا يجوز في نكاح ولا بيع : مجذومة ولا مجنونة ولا برصاء ولا عفلاء ... "   .  
6- وأخرج عن عبد الرزاق (9) عن معمر عن الزهري قال : " ترد في النكاح الرتقاء "   .
7- وأخرج عبد الرزاق (10) عن عبد الرحمن عن المثنى ابن الصباح بن عدي – عامل عمر بن عبد العزيز – أخبره قال : " انتهى إلينا رجل وامرأة قد تزوجها ، فلما دخل بها وجدها ( مرتقة ) ، متلاقية العظمين ، لا يقوى عليها الرجل ، وليس لها إلا مهراق الماء ، فكتبت فيها إلى عمر بن عبد العزيز ، فكتب فيها إلي أن استَحلِف الولي : فاعلم فإن حلف فأجز النكاح ؛ فما أظن رجلاً رضي بمصاهرة قوم إلا سيرضى بأمانتهم ؛ وإن لم يحلف فاحمل عليه الصداق   .
8- وأخرج عبد الرزاق (11) عن معمر عن قتادة في رجل به برص أو جذام أو جنون أو شبه ذلك وتزوج امرأة ولم تعلم ما به حتى بنى بها ، قال : تُخَيَّرُ ولها صداقُها ، وإن علمت قبل البناء فلها نصف الصداق ، وقال الزهري لا شيء لها ؛ وهو أحب القولين إلى معمّر   .
9- وأخرج عبد الرزاق (12) عن ابن جُرَيْج قال : أُخبِرتُ أن ّ امرأةً من صنعاءَ زُوّجَها رجلٌ فلم يجامعها حتى جُذِم فأرسلتُ إليه أن فارقها ولك صداقها فأبى فكتب في ذلك محمد بن يوسف إلى عبد الملك فكتب عبد الملك أن فرّق بينَهما    .
ثانياً :- الإجماع :
من قضاء عمر أنه قضى في البرصاء والجذماء والمجنونة " إذا دخل بها فرق بينهما والصداق لها بمسيسه إياها ، وهو له على وليها " (13)   .
ومن قضاء عمر أيضاً : قضى عمر أنَّ العَنينَ يؤجل سنة (14) ؛ ولا يوجد من الصحابة من يعترض على قول عمر أو قضائه مع الحاجة إلى ذلك فكان إجماعاً    .     
وروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – وروي عن علي – رضي الله عنه – وكان قضاؤهم بمحضر من الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد فيكون إجماعاً (15)    .
ثالثاً :- القياس :
فقياس النكاح في ذلك على البيع لأنهما عقدا معاوضة وإن كان النكاح مبنياً على المكارمة والبيع مبنياً على المشاحّة   .
أنواع العلل والعيوب المجيزة للفسخ أو التفريق
العيوب والعلل التي تجيز طلب الفسخ أو التفريق للزوج أو الزوجة نوعان :
1- علل جنسية تحول دون الاستمتاع وممارسة الحياة الزوجية بشكل عادي فيمنع الدخول والإنجاب ، وهذه العيوب بعضها يختص بالرجل وبعضها بالمرأة فمن ذلك الجبّ والعنة والخصاء في الرجل والرتق والقرن والعفل والفتق والإفضاء في المرأة   .
2- علل جسدية : لا تحول دون الاستمتاع ولا تمنع الدخول ولكنها علل منفرةٌ ضارة تضر صاحبها وغيره وهذه العلل يشترك فيها الرجل والمرأة ومنها الجنون والجذام والبرص   .
 اتفق جمهور الفقهاء على جواز التفريق بين الزوجين للعيوب إلا أن الحنفية (16) خصوا التفريق هذا بعيوب الزوج دون عيوب الزوجة وجعلوا حق طلب التفريق به للزوجة وحدها لأنها لا تملك فراق الرجل بينما يملك هو ذلك بطلاقها ، ولأن الجبّ والعنة والخصاء تتنافى معها الزوجية لأن المجبوب والعنين والخصي كالمرأة والمرأة لا تتزوج المرأة ومقامها مع من به أحد هذه العيوب لا يمكن إلا بضرر ولا يمكن رفع الضرر عنها إلا بمفارقته لها فإن أبى خاصمته إلى القاضي الذي له ولاية الحكم بتطليقها عليه جبراً   .
أما المالكية والشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى جواز التفريق لعيب الرجل والمرأة على سواء لكنهم اختلفوا في بعض العيوب واتفقوا في بعضها الآخر وقسموها إلى ثلاثة أنواع :
نوع خاص بالرجال ، ونوع خاص بالنساء ، ونوع مشترك بين النساء والرجال .
فعند المالكية (17) يفرق بالعيوب التالية :
- عيوب الرجال وهي : الجبّ والخصاء ، والعنة ، والاعتراض   .
- عيوب النساء وهي : الرتق والقرن ، والعَفَل ، والإفضاء ، والبَخَر   .
- العيوب المشتركة وهي : الجنون والجذام والبرص والعذيطة والخناثة المشكلة   .
وعند الشافعية (18) يفرق بالعيوب التالية :
- عيوب الرجال وهي : العنة والجب  .
- وعيوب النساء هي : الرتق والقرن .
- والعيوب المشتركة هي : الجنون والجذام والبرص  .
وعند الحنابلة (19) يفرق بالعيوب التالية :
- عيوب خاصة بالرجال وهي : العنة والجب .
- وعيوب خاصة بالنساء وهي : الفتق والقرن والعفل  .
- وعيوب مشتركة وهي : الجنون والبرص والجذام   .
وزاد بعضهم على العيوب المتقدمة : استطلاق البطن وسلس البول وخرج بعضهم على ذلك غيرها
وظاهر نصوص الفقهاء توحي بالحصر في هذه العيوب وبالمقابل هناك نصوص لبعض الفقهاء تدل على عدم قَصْر الأئمة في التفريق على العيوب المتقدمة فيلحق بها ما يماثلها في الضرر من ذلك ما قاله ابن تيمية :
" وترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع " ، وما قاله ابن القيم : " واما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين والرجلين أو أحدهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات   .
وقوله : " والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار (20)   .
وما قالـه الكاســـاني (21) : وقال محمد : " خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص شرط للزوم النكاح حتى يفسخ به النكاح ، حيث جاءت هذه العيوب بصيغة التمثيل ، هذا إلى جانب أن نصوص الفقهاء عامة كانت تعلل التفريق للعيب بالضرر الفاحش وبالعدوى وعدم القدرة على الوطء وهو ظاهر في جواز القياس عليها   .
وبالمقابل منع الظاهرية التفريق للعيوب في كل الأحوال سواء كان العيب في الرجل أو في المرأة وقد زكى الشوكاني رأيهم في نيل الأوطار فقال : " ومن أمعن النظر لم يجد في الباب ما يصلح للاستدلال به على الفسخ بالمعنى المذكور عند الفقهاء " (22)   .

التفريق أو الفسخ للعيب أو العلة في القانون

لقد تناول قانون الأحوال الشخصية رقم (61) لسنة 1976 العيوب والعلل المجيزة لطلب التفريق أو فسخ الزواج في الفصل الثاني عشر منه في المواد ( 113 – 122 ) وجاء في الأسباب الموجبة لذلك قول اللجنة :
من المقرر أن عقد الزواج يبنى ويقم على أساس السلامة من العيوب ومن كل عيب في أحد الزوجين ينفر منه الآخر يمنع حصول مقصود النكاح من الرحمة والمودة والوفاق فإذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار وبما أن مذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد هو ان لكل من الرجل والمرة طلب التفريق إذا وجد أحدهما في الآخر عيباً جنسياً أو عيباً منفراً ، حيث لا يمكن المقام معه بلا ضرر كما ذهب إلى ذلك ابن شهاب الزهري وشريح وأبو ثور   .
وبما أن من تقدير مقاصد الشرع في مصادره ومواده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح  لم يخفَ عليه رجحان هذا القول لذلك رؤي الأخذ به ووضعت المواد ( 113) إلى (122) من قانون الأحوال الشخصية لبيان العلة المجيزة لطلب فسخ النكاح من أحد الزوجين وطريقة إثباتها .
وقضت محكمة الاستئناف الشرعية بأن طلب الزوج فسخ عقد الزواج لاكتشافه في زوجته عيباً وهو مرض منفر جسمياً اسمه مرض البهاق بحيث لا يمكن المقام معها بلا ضرر ولم يعلم به قبل العقد ولم يرض به بعده لا صراحة ولا ضمناً دعوى مقبولة ومسموعة عملاً بما ورد في المادتين (117 و 118 ) من قانون الأحوال الشخصية وهو مأخوذ من مذاهب الأئمة مالك والشافعي وأحمد من أن لكل من الرجل والمرأة طلب التفريق إذا وجد أحدهما بالآخر عيباً جنسياً أو عيباً منفراً بحيث لا يمكن المقام به بلا ضرر وما ذكر قانون خاص ويقدم في الاعتماد على ما استندت إليه المحكمة الابتدائية من نص فقهي مأخوذ من مذهب الحنفية ، لهذا كان على المحكمة الابتدائية السير في الدعوى وفصلها بوجه شرعي (23)   .
تنص المادة (113) من قانون الأحوال الشخصية على أنه : " للمرأة السالمة من كل عيب يحول دون الدخول بها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينهما إذا علمت أن فيه علة تحول دون بنائه بها كالجَبّ والعنة والخصا ولا يسمع طلب المرأة التي فيها عيب من العيوب كالريق والقرن .
وتنص المادة (114) منه على أن " الزوجة التي تعلم قبل عقد الزواج بعيب زوجها المانع من الدخول التي ترضى بالزوج بعد الزواج مع العيب الموجود يسقط حق اختيارها ماعدا العنة فإن الاطلاع عليها قبل الزواج لا يسقط حق الخيار   "
وتنص المادة (115) منه على أنه : " إذا راجعت الزوجة القاضي وطلبت التفريق لوجود عيب ينظر فإن كانت العلة غير قابلة للزوال يحكم بالتفريق بينهما في الحال  . وإن كانت قابلة للزوال كالعنة يمهل الزوج سنة من يوم تسليمها نفسها له أو من وحتى برء الزوج إن كان مريضاً ...
فإن لم تزل العلة في هذه المدة وكان الزوج غير راض بالطلاق والزوجة مصرة على طلبها يحكم القاضي بالتفريق   .    
فإذا ادعى في بدء المرافعة أو في ختامها الوصول إليها ينظر فإذا كانت الزوجة ثيباً فالقول قول الزوج مع اليمين وإن كانت بكراً فالقول قولها بلا يمين    .
وتنص المادة (116) منه على أنه : إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مبتلىً بعلة أو مرض لا يمكن الإقامة معه بلا ضرر كالجذام أو البرص أو السل أو الزهري أو طرت مثل هذه العلل والأمراض فلها أن تراجع القاضي وتطلب منه التفريق ، والقاضي بعد الاستعانة بأهل الخبرة وال( )
ينظر فإن كان لا يوجد أمل بالشفاء يحكم بالتفريق بينهما في الحال وإن كان يوجد أمل بالشفاء أو زوال العلة يؤجل التفريق سنة واحدة فإذا لم تزل يظرف هذه المدة ولم يرضَ الزوج بالطلاق وأصرت الزوجة على طلبها يحكم القاضي بالتفريق أيضاً   .
أما وجود عيب كالعمى والعرج في الزوج فلا يوجب التفريق   .
وتنص المادة (117) منه على أنه : " للزوج حق طلب فسخ عقد الزواج إذا وجد في زوجته عيباً جنسياً مانعاً من الوصول إليها كالرتق والقرن أو مرضاً منفراً لا يمكن المقام معها عليه بغير ضرر ولم يكن الزوج قد علم به قبل العقد أو رضي به بعده صراحة أو ضمناً   .
وتنص المادة (118) على أن : " العلل الطارئة على الزوجة بعد الدخول لا تسمع فيها دعوى الفسخ من الزوج "   .
وتنص المادة (119) منه على أنه : " يثبت العيب المانع من الدخول في المرأة أو الرجل بتقرير من القابلة أو الطبيب مؤيد بشهادتهما   .
وتنص المادة (120) منه على أنه : " إذا جن الزوج بعد عقد النكاح وطلبت الزوجة من القاضي      
التفريق يؤجل التفريق لمدة سنة فإذا لم تزل الجنة في هذه المدة وأصرت الزوجة على طلبها يحكم القاضي بالتفريق  "    .
وتنص المادة (121) منه على أنه : " للزوجة في الأحوال التي تعطيها الحق في الخيار أن تؤخر الدعوى أو تتركها مدة بعد إقامتها "   .
وظاهر من نصوص المواد (113، 114، 115) أنها خاصة بكون الزوج معتلاً بعيب من عيوب المقاربة وهذه العيوب المقصود بها عيوب التناسل أو العيوب الجنسية وهي الجب والعنة والخصاء وقد اشترطت المادة (113) لكي تطلب الزوجة التفريق بسبب عيب من هذه العيوب ألا تكون هي مصابة بعيب من عيوب التناسل فإن كانت مصابة بعيب تناسلي فلا يحق لها طلب التفريق بسبب إصابة زوجها بعيب آخر من هذا القبيل ، ويشترط أيضاً في هذه المواد أن تطلب الزوجة التفريق من القاضي وأن يحكم القاضي بالتفريق إذا لم يرض الزوج أن يطلقها   .
كما يشترط ألا تكون رضيت بالعيب فإن كانت رضيت به فلا يكون لها حق طلب التفريق بسببه ماعدا عيب العنة فإن الاطلاع عليها قبل الزواج لا يسقط حق الخيار  .
والخيار ليس من الضروري أن يحصل على الفور بل إن الزوجة لها أن تؤخر الدعوى مدة ولها أن تتركها مدة بعد رفعها (المادة 121) والعلة الجنسية إن كانت غير قابلة للزوال فإن القاضي يفرق بينهما بالحال ، وإن كانت قابلة للزوال فإن القاضي ينتظر سنة على التفصيل الوارد في المادة (115)   .
أما العيوب الأخرى فقد مثلت المادة (116) لها بالجذام والبرص والسل والزهري وذكرت المادة (120) جنون الزوج   .
وظاهر من نص المادة (116) المذكورة أن التعداد فيها على سبيل التمثيل لا الحصر وإنما اشترطت في العلة الموجبة للتفريق ألا يكون من الممكن الإقامة بها مع الزوج بلا ضرر ؛ فإذا طلبت الزوجة التفريق بسبب هذه العلة فإن كان هناك أمل في زوالها يؤجل القاضي الدعوى سنة واحدة فإذا لم تزل خلال هذه السنة وأصرت الزوجة على طلبها التفريق يفرق بينهما القاضي والذي قيل في العيوب المذكورة في المادة (116) يقال في سبب جنون الزوج الذي يحصل بعد عقد الزواج في المادة (120)   .
 هذا ويلاحظ أن العيوب متى توافرت الشروط المنصوص عليها موجبة للتفريق لكن المادة (116) نصت على أن وجود أحد العيوب في الزوج كالعمى والعرج لا يوجب التفريق ؛ ربما لأنها ليست علل جنسية تحول دون الاستمتاع ولا علل جسدية منفرة ضارة ، والله أعلم    .
إثبات العلل وإمكانية الشفاء منها وعدمه

 حدد القانون كيفية إثبات العيب الجنسي المانع من الدخول بتقرير طبي من المختص وهو الطبيب أو القابلة وشهادتهما بما في ذلك التقرير أمام القاضي المادة (119) وهذا فحوى كلام الفقهاء وجاء في القرار الاستئنافي رقم (11567) تاريخ 25/7/ 1961 بتصرف أن المرجح في تحقق إمكان زوال العلة أو عدمه في العلل التي يمكن أن تصل إلى درجة عدم إمكان الشفاء كالسل والزهري ، هو أهل الفن والخبرة   .
وجاء في نفس القرار السابق أيضاً : " التفريق بين الزوجين لمجرد قول المدعى عليه الزوج أنه لا يرجى له الشفاء من العنة لا وجه له لأن العنة من العلل القابلة للزوال ؛ والشريعة الإسلامية أعطت صاحبها مهلة معينة وهي سنة كما تظافرت على ذلك النصوص الشرعية ، وإقراره بعدئذ بأن عنته غير قابلة للزوال لا يغير المشروع خصوصاً   .
  كمات جاء في قضاء محكمة الاستئناف الشرعية : إن المادة (1685) من المجلة نصت على أن شهادة النساء وحدهن في الأحوال التي لا يمكن اطلاع الرجال عليها تقبل كالولادة والبكارة وقد صرحت المادة ( 301) من الأحكام الشرعية بأنه إذا أنكر الزوج دعوى الزوجة أنه عنين وادعى الوصول إليها قبل التاجيل أو بعده يعين الحاكم امرأتين للكشف عليها ... الخ وللعنين أحكام شرعية واضحة لم يطرأ عليها ما يعدلها أو يغيرها وهي تقضي بأن التفريق بين الزوجين إنما يكون بعد الإمهال لحكمة بينها الفقهاء وهي احتمال زوال عنة الرجل في أحد فصول السنة (8736 – 5/4/55)   .
الاختيار السليم لكلا الزوجين على أساس طبي قبل الزواج
 ذهب الفقهاء إلى أن من أراد نكاح المرأة فله أن ينظر إليها قال ابن قدامة : " لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها وقد روى جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " ، قال فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها حتـى رأيـت منهـا مـا دعانـي إلى نكاحها فتزوجتها "  (24)   .
وحـكم نظـر المـرأة المخطوبـة إلـى خاطبها كحكم نظره إليها لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها بل هي – كما قال ابن عابدين – أولى منه في ذلك لأنه يمكنه مفارقة من لا يرضاها بخلافها    .
 وذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط علم المخطوبة أو إذن وليها بنظر الخاطب إليها اكتفاءً بإذن الشارع ولإطلاق الأخبار   .
 واتفق الفقهاء على أن للخاطب أن يرسل امرأة لتنظر المخطوبة ثم تصفها له ولو بما لا يحل له نظره من غير الوجه والكفين فيستفيد بالبعث ما لا يفيد بنظره وهذا لمزيد الحاجة إليه مستثنى من حرمة وصف امراة لرجل وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أم سليم تنظر إلى جارية فقال : " شمي عوارضها وانظري إلى عرقوبها " (25)   .
 ومن استشير في خاطب أو مخطوبة فعليه أن يذكر ما فيه من مساوئ شرعية أو عرفية ولا يكون غيبة محرمة إذن أن مقصده النصيحة والتحذير لا الإيذاء لقوله – صلى الله عليه وسلم - :
" إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه " وعنه – صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المستشار مؤتمن "
[ أخرجه الترمذي 4/585 ط الحلبي ] من حديث تميم الداري ، رضي الله عنه   .
وفصل بعض الفقهاء في ذلك ومنه قول البارزي – من الشافعية – ولو استشير في امر نفسه في النكاح فإن كان فيه مايثبت الخيار فيه وجب ذكره وإن كان فيه ما يقلل الرغبة فيه ولا يثبت الخيار بسوء الخلق والشح اسـتحب وإن فيـه شـيء من المعاصـي وجـب عليـه التوبـة في الحال وستر نفسه (26)   .
ومن هنا تبين لنا أن تفحص الخاطبين لبعضهما بما هو ممكن أمر مشروع وكان يجري سابقاً بالوسائل المتاحة للشخص نفسه أو بواسطة غيره أما الآن فموضوع الفحص الطبي قبل الزواج يعد من الموضوعات الهامة التي لها صلة مباشرة بالصحة الوقائية للأسرة لأنه يظهر مدى صلاحية الخاطبين لحياة زوجية سليمة بالكشف عما بهما من أمراض معدية أو منفرة يمكن أن تؤثر مستقبلاً على صحتهما أو على صحة من ينجبانه من أولاد   .
 وهو أحد الموضوعات المستجدة التي أصبحت تطرح بقوة في العصر الحاضر على الصعيدين الاجتماعي والتشريعي وذلك لانتشار كثير من الأمراض المعدية التي لم تكن موجودة أو شائعة في العصور السابقة ولتقدم التشريعات الطبية التي تساعد على الكشف المبكر عن تلك المراض   .
ومن الطبيعي أن لا يبحث قدامى الفقهاء مثل هذا الموضوع وإن كانوا قد بحثوا أثر الأمراض السارية والمعدية والمنفرة على استمرار الحياة الزوجية من حيث جواز أو عدم جواز التفريق بين الزوجين بسبب تلك الأمراض   .
ومن هنا فقد اتجه كثير من المعاصرين إلى بحث هذا الموضوع وخلصوا إلى جواز إجراء مثل هذا الفحص لأنه يحقق مقاصد شرعية راجحة ويدرأ مفاسد متوقعة ذلك أن الغاية من هذا الفحص استقرار الأسر وحفظ سلامة النسل ومعلوم أن الوسائل تأخذ حكم الغايات فإذا كانت الغاية من هذا الفحص سلامة الإنسان في جسده وعقله وماله فإن الوسيلة المحققة لذلك هي إجراء مثل هذا الفحص تكون مشروعة وإجراء الفحص الطبي قبل الزواج ليتم به منع الأضرار المتوقعة قبل حصولها فيكون أولى من ترك الناس يصابون بامراض ثم القيام بمعالجتها أو التخفيف من أضرارها
دور الفحص الطبي قبل الزواج في الصحة الوقائية للأسرة (27)
لقد أبرز الأطباء الإيجابيات التي تترتب على إجراء الفحص الطبي قبل الزواج ويمكن تلخيصها فيما يلي : -
1- حماية المجتمع من انتشار الأمراض والحد منها والتقليل من الأعباء المالية الناتجة عن علاج المصابين بالأمراض الوراثية والمعدية كون متطلباتهم أكثر من حاجات الأفراد الأصحاء    .
2- ضمان إنجاب أطفال أصحاء سليمين عقلياً وجسدياً ، وتجنب المشكلات الاجتماعية والنفسية للأسر التي يمكن أن تعاني منها فيما لو ظهر أحد أطفالها مصاباً   .
3- التحقق من قدرة كل من الخاطبين على ممارسة علاقة جنسية سليمة مع الآخر بما يشبع رغبات كل منهما الطبيعية من خلال التاكد من سلامتهما من الأمراض الجنسية والمعدية وتجنب المشكلات الزوجية التي يمكن أن تحدث فيما لو علم أحد الزوجين أن الآخر منهما قد نقل إليه مرضاً معدياً أو تسبب بإصابته بمرض خطير   .

وأخيراً فلئن أجاز الشارع لكل من الخاطبين التحقق من خلو الطرف الآخر من العلل والعيوب بالطرق المتاحة فلن يمانع من التحقق من خلوه من العيوب والعلل بواسطة الفحص الطبي شريطة الالتزام بالضوابط التالية :
1- الاقتصار في الفحص الطبي على ما يتعلق بالتأكد من الصحة الإنجابية وسلامة الخاطبين بخلوهما من العيوب والأمراض المعدية والوراثية وعدم إجراء فحوص ليس لها فائدة في تحقيق الغرض من الفحص قبل الزواج   .
2- المحافظة على سرية النتائج والاقتصار في الإخبار بها على عبارات محددة مثل ملاءمة أو عدم ملاءمة الخاطبين لبعضهما   .
3- إجراء الفحص بدقة وإتقان وفق أحدث الأساليب العلمية تجنباً للوقوع في الخطأ ما أمكن  .
4- تجنب كشف العورات ما أمكن إلا في الحالات التي تقتضي ذلك وأن يتم الكشف على كل جنس من قبل جنسه   .
الهامش :
1- مسند الإمام أحمد ج3 ص493 ورواه البيهقي في السنن ج7 /214  رقم 13997 .
2- الكشح : ما بين الحوض إلى الضلع .
3- الموطأ : كتاب النكاح باب ما جاء في الصداق والحباء ص326  د عبد الرزاق في المصنف رقم 10979 ، ج6 ص244  .
4- نيل الأوطار / الشوكاني ج6 ص177    .
5- المصنف رقم 10720ج6 ص 253 رقم 10721  .
6- زاد المعاد ج5 ص 181  .
7- المصنف ج6 رقم 10677  .
8- المصنف ج6 رقم 10673  .
9- المصنف ج6 رقم 10682  .
10- المصنف ج6 رقم 10683  .
11- المصنف ج6 رقم 10702  .
12- المصنف ج6 رقم 10709  .
13- نيل الأوطار ج6 ص 177  .
14- المصنف ج6 رقم (10720ورقم 1021 ) .
15- بدائع الصنائع للكاساني ج2 ، ص 323 .
16- البحر الرائق ج2 ص 126  ، فتح القدير ج3 ص 267 .
17- الخرشي ج2 ص 73   .
18- مغني المحتاج ج3 ص 202   .
19- المغني مع الشرح الكبير ج7 ص 282   .
20- زاد المعاد ج4 ص 43   .
21- بدائع الصنائع ج2 ص 327   .
22- نيل الأوطار ج6 ص 299   .
23- القرار الاستئنافي رقم 11567    تاريخ 25/7/1961  .
24- أبو داود ج2 / 66565 ، 39204 تاريخ 7/8/1995م .
25- سنن البيهقي الكبرى ج7 ص 87 رقم 13279   .
26- جواهر الإكليل ج1 ص276 ، نهاية المحتاج ج6 ص288  .
27- د هاني الطعيمات – الصحة الوقائية للأسرة في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ؛ بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي في كلية الشريعة / جامعة مؤتة   .

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3197958