... / الزعيم جمال عبد الناصر / فن التشهير بالزعماء!
فن التشهير بالزعماء!
أرسل لصديق طباعه

فن التشهير بالزعماء!

لسوء الحظ قد عرفت مصر حالة من التقطع التاريخى نجمت عن قيام الخلف من الزعماء أو الحكام بالطعن فيمن سبقوهم، والذى قد يكون السبب فى جلوسه فى النهاية على مقعده، لم يختلف فى هذا ملك أو رئيس جمهورية إلا فى أضيق الحدود، مما ترتب عليه فى النهاية حالة من عدم الاستفادة من التراكم التاريخى التى تقوم على استثمار ما تم انجازه من السلف والبناء فوقه، حتى انتهى الأمر إلى أن توقفت عملية بناء الخبرة التاريخية المصرية عند الدور الأرضي!!
ولا نريد أن نرجع فى تفسير هذه الظاهرة إلى عصر الفراعنة حين كان بعضهم يمسحون أسماء أسلافهم من على خراطيش بناياتهم وينسبونها إلى أنفسهم، أو إلى العصور الوسطى حين كان ينتهى عصر كثير من الحكام بالقتل ليجلس الفاعل بعد ذلك على الكرسى المغري.. كرسى الحكم، ولكن دعونا نسعى إلى رصد هذه الظاهرة فى العصور الحديثة فحسب.
ابراهيم باشا، بكل تاريخه، بعد أن جاءه فرمان السلطان بتوليه مسند الحكم فى المحروسة فى حياة أبيه محمد على بعد أن عانى الأخير من تخاريف الشيخوخة حرص على البعد عن مقر الباشا الكبير فى القلعة، وكثيرا ما كان يعرب عن مخاوفه منه، فيما أفصح عنه لعديد من المقربين إليه، وكان ينتظر بفارغ الصبر رحيله، غير أنه سبقه فى هذا الرحيل!!
زاد من حدة هذه الظاهرة أن مصر ظلت تأخذ بالنظام العثمانى فى ارث كرسى الحكم.. أن يكون من نصيب أكبر أفراد الأسرة، مما كان يثير التحاسد والضغائن بين الأخوة وأبناء الأخوة حتى عصر اسماعيل حين نجح فى تغيير النظام ليكون الحكم بعده لابنه الأكبر، الأمير توفيق، وإن لم يكن راضيا تماما على ذلك، فقد كان الأخير ابنا لمستولدة وليس لزوجة من زوجاته الأربع، الأمر الذى خلف مرارة فى نفس الخديو الجديد، انعكست على تصرفاته حياله بعد نفيه، ثم حيال رجاله الذين حرص على التخلص منهم.
وشرب توفيق من نفس الكأس عندما خلفه ابنه الصغير عباس الثاني، والذى ما فتئ يعرب عن إعجابه بجده المنفي، وقلما كان يذكر أباه بالخير، كما حدث بالنسبة للملك فاروق بعد اعتلائه كرسى أبيه فؤاد.
وفى محاولة لتفسير هذه الظاهرة السلبية على مسيرة التاريخ المصري، نستعين ببعض كتابات الأستاذ محمد حسنين هيكل القديمة، فقد أصلها باعتبارها ظاهرة عربية، وعزاها لتعدد الزوجات، وما تحدثه من أسباب الغيرة بين الأخوة غير الأشقاء.
غير أنه مع تسليمنا بصحة هذا التفسير بالنسبة لنظام الوراثة الملكي، فهذه الصحة لا تنصرف إلى النظام الجمهوري، خاصة ما جرى بعد رحيل الرئيس عبدالناصر واعتلاء الرئيس السادات كرسى الرئاسة، إذ لم يمض وقت طويل حتى بدأت حملة تشويه الرئيس الراحل تحت عين الرئيس الجديد وبرضائه، ثم أخيرا بتحريضه!!
ولا نريد هنا أن نستعين بالتاريخ وحده لتفسير هذا التحول على اعتبار أنها ظاهرة تاريخية مصرية أو عربية، فلكل حالة خصوصيتها..
يمكن أن نعزو جانبا مما جرى من المفاجأة التى أخذت بتلابيب الرئيس الجديد، فما لم يكن يتوقعه شخصيا وأغلب المصريين أن يجلس محمد أنور السادات بالذات على كرسى الرئاسة، بحكم ما عرف من افتقار الرجل لروح القيادة، حتى بدا وكأنه مجرد أداة لعبدالناصر، الأمر الذى نتبينه من طبيعة الأعمال التى كان يسندها إليه.. رئيسا لتحرير الجريدة الناطقة بلسان الثورة، الجمهورية، والتى تروج لها، رئيسا لمجلس الأمة ليكون أداة الرئيس فى التحكم فيه، وهو الموقف الذى عبر عنه فى كتاباته عندما وضع مؤلفا فى مديح عبدالناصر تحت عنوان يا بني.. هذا عمك جمال!
فى حديث قديم مع الأستاذ سامى شرف حين كان يقوم باعداد مذكراته الشخصية، والذى لازال يحمل مرارة شديدة من الرئيس السادات، وهى مرارة انسانية نعزوها إلى ما كابده الرجل من متاعب فى عهد الأخير، بعد أن كان موضع سر الزعيم الأول.. فبعد أن هاجم سياسات هذا الرئيس بل شخصه، حدث أن فاجاته بسؤال عن ماهية المسئولية التى تقع على عبدالناصر فى اختيار السادات نائبا له مما مهد له السبيل إلى خلافته!!؟؟، ويبدو أنه لم يكن يتوقع السؤال فبعد أن تفكر برهة جاءت إجابته الصادقة فى رأيى من كان يتوقع وفاة عبدالناصر وهو لم يستكمل الثالثة والخمسين!؟.
المهم حدثت المفاجأة وتولى الرجل المنصب المرموق، وعبر فى البداية عن امتنانه الشديد مما حدث عندما ذهب إلى مجلس الأمة لحلف قسم تولى الرئاسة فلم يملك بعد القسم سوى أن يذهب إلى تمثال الرئيس الراحل لينحنى له!!، غير أن مثل هذا الامتنان لم يعش طويلا وانصرف إلى تغيير كل ما انجزه سابقه، حتى المجلس الذى حلف فيه اليمين فلم يكتف برفع التمثال وإنما غير اسمه فأصبح مجلس الشعب!!
وتتدافع التفسيرات حول اندفاع الرجل فى هذا الطريق.. طريق السير عكس اتجاه سلفه، وأهمها فى تقديرنا شعور الرجل بقصر قامته السياسية التى اعتاد الناس عليها بالقياس لقامة عبدالناصر التى كان قد صنعها من خلال سياساته الوطنية العربية ورؤيته الاجتماعية والاقتصادية التى ناسبت روح الفترة التى حكم خلالها، وقد رأى أن جانبا من محاولة مطاولة قامة سلفه يقوم على السعى إلى التقليل من أهمية سياساته، خاصة وأن الظروف كانت مناسبة نتيجة لرحيل عبدالناصر ولم يكن قد انتهى بعد من المهمة التى أخذها على عاتقه بعد حرب 1967 من إزالة ما ترتب عليها من نتائج!!
تفسير آخر من عندياتنا، ولا نذكر ما إذا كان الأستاذ هيكل قد تعرض للواقعة التى سنعرض لها هنا فى بعض كتاباته بعد لقاءاته الطويلة المسجلة مع حسن باشا يوسف وكيل الديوان الملكى خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم فاروق.. فقد حدث أن كان كاتب هذه السطور فى زيارة للرجل فى مكتبه بالأهرام بعد أن أصبح رئيسا لوحدة التاريخ التابعة لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وقت أن كنت أقوم بتأليف كتاب تاريخ الوزارات المصرية لحساب المركز.. المهم أن الادارة كانت فى اعقاب تولى الرئيس السادات لسلطاته رئيسا للجمهورية المحافظة، فقد وجدته سعيدا غاية السعادة، وقبل أن أسأله عن السر بادرنى بالقول شفت.. الراجل بتاعنا بقى رئيس الجمهورية، فوجئت بالقول فسألته لماذا تقول هذا يا سعادة الباشا، الرد: لأسباب كثيرة، روى لى منها قصة لجوء السادات إلى قصر عابدين أثناء مطاردته من البوليس بعد هروبه من السجن عام 1944 ووقوعه فى عرض مولانا، وأنه تمتع بالحماية الملكية بعدئذ، ولم يكن غريبا ما قيل عن انضمامه للحرس الحديدى بعد ذلك، أو عن سعى عبدالناصر لضمه إلى الضباط الأحرار للتعرف على ما يجرى فى الدوائر الملكية.
ولاشك أن هذه العلاقة قد تركت أثرا عميقا فى نفس الرجل حتى أنه كثيرا ما تصور أنه بإمكانه اعادة بعض رموز العصر الملكي، فأعاد نظام الديوان، وإن كان جمهوريا هذه المرة، وسمح لعديد من أبناء الأسرة المالكة بزيارة مصر، بل والعودة للاستقرار فيها، الأغرب من ذلك ما لم يلاحظه الكثيرون من أن ما جاء فى المادة الأولى من دستور 1956 الذى وضع أيام عبدالناصر من الشرط بأنه لا يحق لأبناء الأسرة المالكة السابقة شغل هذا المنصب، فجاء السادات وحذف هذه المادة من دستور 1971!
وعلى الرغم من أن كثيرين يرون أن تجربة السادات السياسية قبل الثورة كانت زادا له بعد أن تولى رئاسة الجمهورية، ووصفوه بالمحنك الذى اختلف عن سائر رؤساء الجمهورية الذين سبقوه، نجيب وعبدالناصر، اللذين لم يملكا وقت اعتلائهما المنصب سوى خبرتهما العسكرية، مع بعض الخبرة السياسية التى اكتسبها عبدالناصر بين عامى 1952 و1954، لم يتنبه هؤلاء إلى أن هذه الخبرة قد تأتى فى كثير من مناحيها بمردود عكسي، فيما يتمثل فى الحنين إلى الماضى والرغبة فى احياء رموزه مع ما جد من وصوله إلى مكان القمة.
ويكفى فى هذا أن نذكر بمشهد يوم المنصة، فقد كان الرئيس يرتدى زى القوات النازية، ولعل الكثيرين الذين عجبوا من ذلك لم يتذكروا أو لم يكونوا على علم بأن الرجل قد قبض عليه خلال الحرب وحوكم بتهمة التعاون مع الألمان، وظل فى السجن لعامين بسبب هذا الاتهام، كما أن الرجل فى تقديرنا قد تصور أن كرسى الرئاسة يمكنه من صنع ما يشاء بغض النظر عن الظروف التاريخية المحيطة.
ونرى أن قصر القامة السياسية من جانب، والحنين إلى الماضى إلى حد تصور أنه يمكن بعثه حيا بعد أن كان قد شبع موتا، كانا وراء الانقلاب على سياسات عبدالناصر الذى لم يتأخر كثيرا، فهو وإن كان قد بدأ بالصراع مع رجال الأخير الذين تخلص منهم فى مايو عام 1971، إلا أنه سارع الخطى بعد حرب 1973، من جراء ما اعتقده الرجل والمحيطون به من أنها قد وفرت له شرعية أخرى غير الشرعية الناصرية، الأمر الذى قد يكون صحيحا فى بعض جوانبه فلم يكتف بالانقلاب على رجال الرئيس الراحل، بل تعداه إلى الانقلاب على سياساته الداخلية والخارجية.
ولا نرغب فى هذا المقال القصير أن نكرر مظاهر هذا الانقلاب، والتى رصدتها كتابات عديدة، البعض اعتبرها ضد مصالح الشعب المصري، بل وضد دور مصر فى المنطقة، والتى اعتبرها آخرون نوعا من الحنكة السياسية.
وبدا الانقلاب على سياسات عبدالناصر الاقتصادية - الاجتماعية بالتحول عن المباديء الاشتراكية، وعن المعسكر الشرقى عموما، إلى سياسة الانفتاح الاقتصادى غير المدروس، وإلى مد الأيدى لكل من خاصمه الرجل حفاظا على مكانة مصر فى المنطقة وعلى دورها العربى القيادى المؤثر.. ولم تتوقف سياسة مد الأيدى على الولايات المتحدة الأمريكية وإنما وصلت إلى اسرائيل بعد زيارته الدرامية للقدس فى نوفمبر 1977، مما أثر كثيرا على مكانة مصر ودورها فى المنطقة المحيطة، إلى حد تجميد عضويتها فى جامعة الدول العربية، غير أن الرجل سار فى طريقه لا يلوى على شيء.
على الرغم من محاولة الترويج لهذه السياسات بإشاعة مقولة رددها الكثيرون من خصومه بأن العرب كانوا دائما عبئا على مصر، وأن تحمل أعباء القضية الفلسطينية دون أن تشاركها أية دولة عربية مشاركة جادة، كانت السبب وراء ما يعانيه المصريون من أزمات اقتصادية، وراجت فى ذلك الوقت فى الشارع المصرى بين العامة وأنصاف المتعلمين قولة يعنى خدنا إيه من العرب!
غير أن هذه الأقاويل وإن جازت على البعض غير أنها لم تجز على كثيرين ممن وعدوهم بالمن والعسل والترقى إلى الشرائح العليا فى الوقت الذى انحدر غالبيتهم معه عن موقعهم الطبقى القديم، الأمر الذى عبروا عنه فى مظاهرات الطلاب فى الجامعة ومظاهرات الخبز.
وبالعقلية القديمة التى تربت عند الرئيس الجديد فى فترة عمله السياسى قبل الثورة، والتى بدأت بتشويه سمعة سلفه، وكانت ذخيرة المعركة التى تقرر أن يخوضها جاهزة.. فى الجامعات الاسلامية على رأسها جماعة الاخوان التى كان لها ثأر قديم عندعبدالناصر.
وقصة تشجيعه لهؤلاء لمواجهة الناصريين أكثر من معروفة، والدور الذى لعبه رجل المقاولات المشهور عثمان أحمد عثمان ومحافظ أسيوط لتشجيع هؤلاء معلوم، وقد تم كل هذا تحت أنظار الرئيس وبرضائه التام.
ونرى أن ميول السادات وتاريخه جعلته الأقرب إلى اليمين الديني، وهو الأمر الذى فطن إليه عبدالناصر منذ وقت مبكر، فجعله قبل قيام الثورة همزة الوصل بين الاخوان وبين الضباط الأحرار، ثم إنه عمل بعدها ومنذ عام 1954 سكرتيرا عاما للمؤتمر الاسلامي.
ولعل هذه الميول هى التى عجلت باتباع سياسات تناقض سياسة عبدالناصر بمد الأيدى للدول المحافظة، ذات الطابع الديني، خاصة المملكة العربية السعودية، ثم ما اتصل بذلك من سحبها من الدول الاشتراكية على رأسها الاتحاد السوفيتى باعتبارها دولا ملحدة، أو على الأقل لا دين لها!
وفى هذا المناخ تعاظم شأن هذه الجماعات، وظهرت جريدة الاخوان القديمة، الدعوة، التى بدأت حملة شعواء على عبدالناصر وعهده، والتى أخذت، فى ذات الوقت، فى تشويه سمعة الرجل واختلاق القصص حوله.
لم يمض وقت طويل حتى بدأت بعض الأقلام فى الصحف القومية تغير لهجتها تماما عن الزعيم الخالد، وإن تفاوتت فى هذا إذ بينما اتبعت جريدة مثل الجمهورية التى كانت ناطقة باسم الثورة هذا النهج الجديد، خاصة وأنه كان للرئيس الجديد ماض معها وقت أن كان رئيسا لتحريرها، مما وفر له فيها بعض الأتباع الراغبين فى ارضائه.
فعلت هذا وبشكل أقل جريدة الأخبار، وكان للفاعلين أسبابهم، فعدد غير قليل منهم كانوا من تلامذة مؤسسيها، مصطفى وعلى أمين، ولم ينسوا ما فعله عبدالناصر، خاصة بالأول، بغض النظر عما إذا كان محقا فيه أم لا.
الأهرام كانت الجريدة الوحيدة التى لم تنضم لصفوف المنددين، خاصة مع وجود الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيسا لها حتى عام 1974، وحافظت على احترامها، ولما كان معروفا من علاقة بين الأستاذ وبين عبدالناصر فقد عزا أنصار السادات فى الصحف الأخرى هذا الموقف لتلك العلاقة، وشنوا حملة شديدة على هيكل، واتهموه باحتكار الأخبار والتعرف على السياسات أيام الزعيم الراحل، حتى أنهم وصفوه بالصحفى الأوحد، وعزوا كل ما أحرزه الرجل فى تاريخه من مجد صحفى إلى هذه العلاقة، بمعنى آخر أن حملة التشويه لم تقف عند شخصية عبدالناصر وإنما طالت آخرين وقد أثبتت الأيام بطلان ما ذهب إليه هؤلاء، فالرجل لم يتوقف عن الكتابة بعد أن ترك الأهرام، أو أجبر على تركه، وأصبحت له ذخيرة من المؤلفات التاريخية والسياسية أبقته فى مقدمة الكتاب فى العالم العربي، بل وذاع صيته إلى العالم الخارجي، وهو ما لم يحدث لأى من المتقولين عليه بعد أن تركوا مواقعهم الصحفية!
المهم أنه قد ترتب على استبعاد هيكل من رئاسة تحرير الأهرام، أن دخلت الجريدة العريقة فى حالة من القلق لفترة غير قصيرة، خاصة بعد تولى عدد من خصوم الرجل بعضا من المسئولية فيها، غير أنه بعد استقرار الأمور فى الجريدة العريقة، خاصة بعد تولى الأستاذ ابراهيم نافع المسئولية فيها، باعتباره أحد أبنائها، أن عاد للصحيفة توازنها، وقد حماها من الانجراف فى الحملة تاريخها القديم القائم على الالتزام بالدقة فى الأخبار والتوازن فى المواقف.
غير أن هذا التشويه تحول إلى تشهير قبل مضى وقت طويل، خاصة بعد عودة حزب الوفد إلى الوجود بحكم قضائى عام 1977، ولسوء الحظ فإن تلك العودة تمت على أيدى الجناح اليمينى بزعامة فؤاد سراج الدين، والذى كان الوفد قد وقع فى أيديه تماما خلال النصف الثانى من الأربعينيات وحتى قيام الثورة، ونظن أن الأمر كان سيصبح مختلفا لو كان قد تم ذلك على أيدى الجناح اليسارى الذى كان قد بقى من شخوصه محمد صلاح الدين وبعض رجال الطليعة الوفدية
وقد أصدر أعداء الجناح اليمينى لعبدالناصر مما أوقعه برجاله، وكان أغلبهم من كبار ملاك الأراضى الزراعية، من خسارة مادية فادحة بعد تطبيق قوانين الاصلاح الزراعي، ومن محاكمات دفعت بعضهم إلى أحضان السجون بمن فيهم فؤاد باشا نفسه، ومن حرمان من امتيازات الحكم التى طالما أدمنوها.
جاء هؤلاء بكل ما حملوه للرجل من تار بايت وأصدروا جريدتهم الوفد التى لم تترك فرصة دون التشهير بعبدالناصر، واستخدموا فى هذا كل ما كتبه أعداؤه، هذا فضلا عن استكتاب العديدين ممن رغبوا فى التشهير بالرجل وعهده، واستبعدوا أى قلم صديق.. ومعروفة قصة العرض الذى قدمه رئيس تحرير الجريدة للأستاذ هيكل لكتابة مقال أسبوعى فى الجريدة قبل أن يحصل على موافقة الباشا، معتقدا أن ذلك ما يروج الجريدة الناشئة، بيد أن رئيس الحزب رفض الفكرة من أساسها فقد كان لا يتصور أن تستكتب جريدته رجلا مثل هيكل مهما بلغت قامته الصحفية، وتم سحب العرض.
وفى هذا المناخ تدخلت قوى خارجية لتقوى من عضد جماعات التشهير، فقامت بعض الدول العربية المحافظة التى كانت محلا لهجوم عبدالناصر بتأييد الأحزاب والصحف التى تولت هذه الحملة غير أننا نجد فى عديد من العواصم العربية والافريقية شارعا رئيسيا باسم عبدالناصر غير أننا لا نعثر فى متحف الشمع الشهير فى لندن باسم مدام توسو سوى على تمثال للرئيس السادات، وهو أمر ذو دلالة بل دلالات!
وصلت حملة التشهير إلى ذروتها عندما قرر الرئيس السادات اصدار مجلة أسبوعية عن دار عريقة فى اصدار الكتب هى دار المعارف، هى مجلة أكتوبر، التى ضمت إلى هيئة تحريرها أصحاب الأقلام المستعدة للتشهير بعبدالناصر، وكان معلوما أنها مجلة الرئيس، وإن كانت هذه قصة طويلة نؤثر أن نتركها لوقتها!
وعلى الرغم من رحيل الرئيس السادات قبل نحو ربع القرن، ورغم اختفاء عدد من خصوم عبدالناصر الذين جعلوا شغلهم الشاغل تشويه سمعته، فإنه من المثير أن يظل أنصارهم يسعون إلى اقتناص مناسبات معينة لعزف نشيد الاتهامات الذى تقطعت أنفاسه، ولا ندرى لمصلحة من؟
ولعل سيادة هذا المناخ هو الذى منع حتى هذه اللحظة من كتابة تاريخ الحقبة المدهشة التى حكم خلالها الرجل مصر كتابة موضوعية، فالخصوم سادرون فى التشويه والأنصار مشغولون بمحاولات دفع هذه الاتهامات غير الصحيحة فى غالب الأحيان والمبالغ فيها أحيانا أخري، وعموما فإنه لا ينبغى للأمم أن تعامل رجالها الذين تفهموا حركة التاريخ واستثمروها لصالح الوطن بهذا الشكل الذى يجعلنا قابعين فى الدور الأول، فى ذات الوقت دون أن نرتفع أبدا إلى الدور الذى يعلوه!!

جريدة العربي الناصري

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3327162