... / الزعيم جمال عبد الناصر / الفكر القومي العربي والناصرية
الفكر القومي العربي والناصرية
أرسل لصديق طباعه

الفكر القومي العربي والناصرية
لقد وحد الإسلام الأمة العربية، وجسد شخصيتها،و أطّر حدودها الجغرافية في دولة واحدة مترامية الأطراف، وهيأ لها دوراً حضارياً تلعبه وفق نظام  إعماري، جعلها تسهم بنصيب وافر  من التقدم العلمي والتطور  الحضاري الإنساني ·· وعندما ضعفت الدولة العربية تنامى دور الأطراف على حساب القلب، ونشأت الدول التي حكمت الوطن العربي أو أجزاء منه باسم الإسلام وآخرها الدولة العثمانية، وفيها تسلط الأتراك على الشعوب الأخرى وتحكموا في مصائرها، وفرضوا التخلف على دولتهم والشعوب الخاضعة لها، ومارسوا بسياسة التتريك أبشع أنواع التمييز العنصري بهدف القضاء على ما في الإسلام من عروبة وتحويل الوطن العربي إلى مستعمرة تركية بامتياز ··
وسط هذه الأجواء من الاستبداد والظلم والتخلف والعنصرية وجد العرب أنفسهم يطالبون بالحرية، وينادون بالاستقلال عن الدولة العثمانية، فكان الدعاة القوميّون الذين عقدوا لهم  مؤتمراً في باريس 1913 والذين شكلوا قوافل الشهداء في السادس  من آيار 1918 ترافق ذلك بقيام الثورة  العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي 1917 التي وقفت إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الأولى على أمل  كسب التأييد الغربي للاستقلال العربي ··· لكن الغرب الذي أبدى تفهماً لمطالب العرب بالإستقلال عن تركيا ما لبث أن نكث بوعوده وعهوده التي قطعها لهم، وبدل قيام دولة الإستقلال العربي  وجد العرب أنفسهم فريسة لاستعمار أوروبي جديد وفق معاهدة  "سايكس بيكو" التي جاءت لتقسيم الوطن العربي  وتخلق أوطاناً جديدة، مضافاً إليها وعد بلفور 1916 بوطن قومي لليهود في فلسطين، فصار العرب والحالة هذه (( كالمستغيث من الرمضاء بالنار ))··· !
في هذه الأثناء  استيقظ الشعور القومي العربي بفعل عاملين :
الأول : التحرر من السيطرة التركية وتحقيق الاستقلال وتجسيد الوحدة العربية في دولة عربية واحدة ··
الثاني : مقاومة الاستعمار الغربي وإجلاء قواته عن الأرض العربية وصولاً لتحقيق الوحدة العربية ···
هذه اليقظة العربية لم تأت من فراغ، وإنما من معطيات وجود عربي تاريخي حضاري في الماضي، وبتأثير من الأفكار القومية الأوروبية التي مكنت بعض الأمم الأوروبية من تحقيق وحدتها مثل ألمانيا و إيطاليا، لكن هذا التأثير اتخذ في فترة أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين  أشكالاً عديدة تبلورت في تيارات فكرية وسياسية أهمها :
1- تيار الإبقاء على الخلافة : واعتبر ذلك فرضاً دينيا  وواجباً دنيويا يوحد ولا يفرق، لكن هذا التيار ما لبث أن انهار عندما تمكن مصطفى كمال أتاتورك من الإطاحة بنظام الخلافة 1924 بما يشبه الردة عن الإسلام والمسلمين ملحقاً تركيا كلية بالغرب العلماني ··
2- تيار قومي عربي علماني : يبشر بالقومية العربية على الطريقة الأوروبية بما يفضي إلى فصل الدين عن الدولة، مثال ذلك ساطع الحصري الذي اعتبر اللغة والتاريخ أهم مقومين من مقومات القومية العربية ثم أضيف لهما بعد ذلك الآلام والآمال والجغرافيا والمصالح المشتركة، لكن الدين بقي بمعزل عن هذه المقومات من وحي مقولة ((الدين له والوطن للجميع)) وقد مثل هذا التيار في أربعينيات  وخمسينيات القرن العشرين حزب البعث وحركة القوميين العرب··
3- تيار التكامل بين العروبة والإسلام : وقاده المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي 1849- 1902 من خلال كتابه ( طبائع الإستبداد ) الذي أرجع سبب الانحطاط في أنماط الحياة العربية إلى الإستبداد السياسي، وفي  كتابه الآخر (أم القرى) حمل الدولة العثمانية  أسباب التخلف في الحياة العربية عامة وراح  يدعو إلى :
   أ - محاربة الجهل والأمية والتخلف والتعصب والدعوة  للتآخي والوحدة من خلال فهم الإسلام فهماً صحيحاً·
   ب- تأسيس دولة عربية عصرية باسترداد العرب لحقهم في الخلافة والدعوة إلى إقامة اتحاد اسلامي يرتبط بالخليفة العربي المسلم   الذي مقره (( مكة))·
  جـ - محاربة الاستبداد في مضامينه وأشكاله·
4- التيار الأممي: جاء بعد قيام ثورة اكتوبر الشيوعية 1917 واستطاع تشكيل  حزب سياسي  يدعو لرفع مستوى معيشة الطبقات العاملة الفقيرة لكن  نظرته إلى الدين  القومية قد حدّت من انتشاره بين الناس رغم بريق شعارته  فقد عُرف عنه  بأن ((الدين افيون الشعوب)) والقومية من افرازات الطبقات البرجوازية·
وكرد فعل على التيار الشيوعي الأممي استيقظ تيار  الخلافة الإسلامية من جديد على  يد جماعة  الإخوان المسلمين  وحزب التحرير الإسلامي، وقد استبدلت الدعوة إلى الخلافة  بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية، وكلا التيارين الأممي (الشيوعي و الإسلامي) ناصب دعوة القومية العربية العداء فاعتبرها الأول من نتاج البرجوازية واعتبرها الثاني موافقة للعلمانية بمفهوم الإلحاد،
إذاً ··· انشغل الدعاة القوميون خلال أكثر من نصف قرن بإثبات عروبة العرب وأنهم يشكلون امة واحدة، وتوصلت الحركات القومية إلى صياغة أهداف  النضال العربي وشعاراته دون ان تستطيع إعطاءها مضامين واضحة بل غلب عليها الطابع الرومنسي لدرجة جعلت الجماهير في كثير من المواقف تتقدم على قياداتها في الوصول إلى ترجمة حقيقية  لأهدافها على أرض الواقع··
ثم بلغت المشاعر القومية العربية ذروتها إبان النكبة في فلسطين وقيام الكيان الصهيوني 1948 فقامت ثورة 23 يوليو 1952  بقيادة جمال عبد الناصر كرد فعل طبيعي على النكبة وعلى الأوضاع الفاسدة للعهد الملكي المتحالف مع النفوذ البريطاني والإقطاع ورأس المال المستغل في  مصر، لقد واجهت ثورة 23 يوليو الواقع المصري والعربي على حقيقته وعملت على تغييره معلنة المبادئ الستة المشهورة تعبيراً عن أهداف النضال الوطني والقومي فكانت ثلاثة مبادئ ( قضاء ) 1- القضاء على الاستعمار وأعوانه، 2 - القضاء على الإقطاع، 3 - القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، وثلاثة مبادئ ( إقامة ) 4- إقامة عدالة اجتماعية 5- إقامة جيش وطني قوي 6- إقامة ديمقراطية سليمة·
وهذه أول إشارة إلى أن ما حصل يوم 23 يوليو كان ثورة بمعنى التغيير الجذري للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة فثلاثة مبادئ ( قضاء)  تقابلها ثلاثة مبادئ  (إقامة)أي هدم و بناء و ليس انقلابا عسكريا غايته الوصول إلى السلطة وامتيازاتها ·· ولم تغرق الثورة نفسها في جدل نظري خاصة وأنها قامت دون  نظرية ثورية ودون تنظيم سياسي وإنما كان تنظيم الضباط الأحرار طليعة ثورية استطاعت أن تمسك بالسلطة وتضعها في خدمة الشعب وتحقيق آماله وطموحاته في صياغة حياته من جديد فوق أرضه وفق أمانيه ·· ومن خلال العمل الثوري والممارسة  الفعلية على أرض الواقع وبعد عشر سنوات على مسيرة الثورة ظهر ميثاق العمل الوطني إلى الوجود فكان الميثاق بمثابة النظرية الثورية للقومية العربية والمنهج التطبيقي  لنضالها والمخطط العملي لتحقيق أهدافها في الحرية والإشتراكية والوحدة ··· لقد آمنت الناصرية بتلازم أهداف النضال العربي في الحرية والإشتراكية والوحدة وترابطها الوثيق وبالعلاقة التكاملية الجدلية بين العروبة والإسلام بعدما جسدت  في مواقفها مفاهيم العروبة و القومية و الوحدة  فربطت ذلك بوحدة النضال القومي العربي وبالتغيير الشامل للأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية وانحازت بالكامل لجماهير الشعب وطبقاته الكادحة الفقيرة التي طال حرمانها ···  وخاضت المعارك من مشرق الوطن العربي إلى مغربه أي أنها نقلت قيم القومية العربية من الشعارات النظرية إلى التطبيق العملي على أرض الواقع فحاربت معارك الأمة العربية جميعها من الجزائر إلى العراق  إلى اليمن إلى فلسطين، مدركة بأن الاستعمار لا يتخلى عن رقعة أرض يحتلها ما لم يجبر بالقوة على ذلك أي ( ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ) لقد عبأت  القيادة الناصرية الجماهير العربية واستنفرت الجهود الوطنية والقومية واستنهضتها للوقوف في وجه  غاصبيها وجلاديها  وحاولت تنظيمها في حركة ثورية تكون الأداة لتحقيق الأهداف العليا للنضال الشعبي العربي فكانت هيئة التحرير ثم الإتحاد القومي وأخيراً الإتحاد الاشتراكي العربي وهكذا ·· قدمت القيادة الناصرية الفكر والمواقف والنضال الدائب وكسبت ثقة الجماهير لكنها لم تستطع الوصول إلى تنظيم شعبي بمستوى آمال وطموحات الثورة فالتنظيم الشعبي يأتي من خلال عمل تطوعي واختيار كامل لمجموعة من الأفراد ويتطور بالنضال والممارسة إلى جهاز حزبي مؤسسي أما عندما يأتي بقرار فوقي يصبح تنظيماً للسلطة والحكومة يدخل به كل من هب ودب  من المخلص إلى المنافق إلى الإنتهازي  وغيره ···
فهذا التنظيم  الشعبي كان نقطة الضعف الظاهرة للعيان في البناء الثوري الناصري فلم يكن له وجود حقيقي فاعل ومؤثر ليدافع عن الوحدة في مواجهة الإنفصال وكذلك لم يستطع الدفاع عن الثورة يوم انقلب عليها السادات في حركة ارتدادية أشبه بردة ( مسيلمة الكذاب ) بعد رحيل عبد الناصر····
لقد حققت القيادة الناصرية انتصارات عظيمة وانجازات خالدة خلود الأمة وأجيالها المتعاقبة وتركت في كل مناحي الحياة العربية بصمات من الصعب محوها فلا أقل من أن يكمل الذين انتسبوا إليها بعض ما بدأته في موضوع التنظيم الشعبي السياسي فيبادروا وهم خارج السلطة اليوم إلى توحيد قوى التيار الناصري داخل أقطارهم دون ان ينسوا بأنهم جزء من الحركة العربية الواحدة ( حلم عبد الناصر الكبير ) أو التنظيم القومي العربي  الناصري الواحد حتى تبقى الناصرية التعبير الحقيقي عن اهداف الشعب العربي في الوطن الكبير ومشروعها القومي العربي النهضوي بأبعاده الحضارية هومشروع الأمة المستقبلي القائم على النهضة والوحدة والعدالة والتقدم

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3327156