... / الزعيم جمال عبد الناصر / حول التجربة الناصرية يقلم دكتورة حكمت أبو زيد
حول التجربة الناصرية يقلم دكتورة حكمت أبو زيد
أرسل لصديق طباعه

حول التجربة الناصرية  يقلم دكتورة حكمت أبو زيد

إذا كانت الثورات المفصلية تهدف إلى تغير استراتيجي، فهكذا كان هدف المشروع الوطني لعبد الناصر في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية استجابة لمطالب الشعب المتعطش للتغيير ، لا سيما وقد تمكن المصريون من الحصول على حريتهم واستقلالهم فكان لهم الحق أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم ، ألم يكن عبد الناصر ينتمي إليهم فهو منهم وإليهم ؟ أليس في تبني الشعب لهذا المشروع الوطني برهان ودليل مدى استيعاب الشعب لأهدافه ومراميه كما كانت استجاباته لخطواته المرحلية ؟! وكي أوضح هذا المعنى بالإصلاح الزراعي أقول : كيف كانت استجابة الشعب ولا سيما الفلاح المصري له أليس يرجع ذلك لكونه تغييراً ثورياً في علاقة الأرض لمن يفلحها – وبالتالي كان من الواجب تقنينها بتمليك الفلاح لها – وهو أمر كان ولا يزال تاركاً بصماته في ذاكرة الفلاح المصري ؟كذلك فأن الإشارة إلى أهمية إعادة رسم " الخريطة الاجتماعية والاقتصادية في مصر " التي ظلت على حالها منذ مئات السنين وهو أمر حقق في مدة وجيزة نسبياً "عدالة اجتماعية " وتذويب الفوارق بين الطبقات واستقواء للطبقة الوسطى – وهي القادرة على أحداث التغيير – تقودنا إلى الخطط التنموية الاقتصادية وإلى زيادة معدلات نمو غير مسبوق وغير مسبوقة . هناك من يقول : لعل التفويض الشعبي – نادر الحدوث الذي حصل عليه عبد الناصر – هو الذي عرقل تحقيق الديمقراطية بمعناها الحقيقي التقليدي ، رغم ما تحقق من ديمقراطية اجتماعية بمعناها الواسع الشامل ، كما يرى أن غياب هذه الديمقراطية في التجربة الناصرية كان أهم عثرات تلك التجربة – كما كان وبكل تأكيد سبب توقيفها وسبب الردة عن مكتسباتها – بعد غياب عبد الناصر ورحيله ؟فهل في الإمكان إرجاع هذه الردة لسبب واحد فقط ؟ أن على المؤرخ والمحلل أن يأخذ بالأسباب العديدة التي يمكن أن نشير إلى بعضها ..ومنها : الطريق الاشتراكي الذي اتخذه كطريق لتحقيق التغيير في الخريطة الاجتماعية .. ومنها التربص بالمشروع القومي الذي يرمي إلى تحقيق الوحدة العربية .. ولعنا نتذكر ما حدث ل " محمد علي " حين قام بعملية التحديث في المجتمع وبناء الجيش المصري تحقيقاً لتوحيد الوطن العربي .. أما ما حدث في العصر الحديث فهو تلك المؤامرات التي بيتها العدو الصهيوني والدول الاستعمارية الغربية وأميركا بدءاً بالعدوان الثلاثي وانتهاء بنكسة 1967 ..ثم ما نوع هذه الديمقراطية التقليدية المفضلة لدى هؤلاء ممن يتحدثون عنها ؟ هل هي من النوع الذي كان سابقاً على قيام ثورة يوليو سنة 1952 حيث كان يشتري صوت الناخب برغيف الخبز ؟ ويتحكم في مجالس النواب الإقطاعيون وأصحاب الأموال المستغلون ؟ أو لعلها تلك التي يطلقون عليها " الديمقراطية الليبرالية " التي كثيراً ما توصف اليوم " بالمتوحشة " ؟ شأنها شأن الرأسمالية المتوحشة حيث يترك للرأسمال العنان كي يبيع أصول الممتلكات التي بناها

الشعب مستغلاً آليات السوق في البورصة أو عليه أن يخضع للقوانين منظمة الجات العالمية أو الصندوق أو البنك الدوليين ؟ أو هل يترك لمشروع  بيريز الذي عرف بمشروع مارشال الشرق الأوسط أن يطبق لكي يتحكم الرأسمال الصهيوني في مقدراتنا ؟ أما إذا كان النوع من الديمقراطية هو ما يطبق الآن لاختيار أعضاء مجلس الشعب ، فسوف يكتسح الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم معظم المقاعد ، ويترك لأحزاب المعارضة كالوفد والتجمع الناصري .. الخ بعض المقاعد ، حتى قيل في وصفها " بالأحزاب الديكورية " . أن التجربة الناصرية كانت حريصة على الاحتفاظ بتشكيل مجلس النواب بالطريقة التقليدية ، وأن كان قد خضع لبعض القواعد الديمقراطية كتمثيل المرأة منذ سنة 1957 وأن يخصص للعمال والفلاحين نسبة 50% وهو ما رؤى الاحتفاظ به حنى اليوم .. أما عن التشكيل الديمقراطي على الآخر فهو ما عرف بالاتحاد الاشتراكي " طبقاً للقواعد التي حددها بيان 31 مارس سنة 1968 " فله قصة أخرى تحتاج إلى تقييم موضوعي بعيداً عن وصفه بالديكتاتورية وحتى لا يكون العضو بعيداً عن القواعد الشعبية كان لا بد له من أن يتقدم للترشيح في أصغر وحدة سكنية في القرية أو المدنية ثم له أن يرشح نفسه على مستوى القسم فالمحافظة فالمؤتمر الشعبي حتى اللجنة المركزية ، وعلى سبيل المثال كانت لي تجربة حية مارستها ، فبدأت حركة التصعيد من أصغر وحدة في "الكفور" بمصر القديمة حتى كانت المرأة الوحيدة باللجنة المركزية وأوكل لي حينئذ الإشراف على لجنة الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية . تلك اللجنة التي كان لها شرف تعبئة الفنانين والأدباء للالتحام بالجنود الموجودين في مجابهة العدو والذين خاضوا حرب الاستنزاف وكانت لهم صولات وجولات مثل معركة رأس العش وإسقاط المدمرة إيلات . ..أما ما الذي يجب أن تكون عليه " الديمقراطية " في القرن الحادي والعشرين ؟ فسوف تخضع للمتغيرات التي تتفق مع ثورة الاتصال والمعلومات .. والتي ليس المهم فيها التشكيل وإنما كيف يمكن للفرد الانطلاق بحرية ويعبر عن آرائه دون ضغط وأن يكون سيد قراره وأن يكون ملزماً بالحفاظ على الأمن القومي وأن يتميز بالوعي القومي ، فسواء أكان عضواً في حزب أو نقابة أو منظمة من المنظمات أو جمعية من الجمعيات الأهلية فعليه رفض مبدأ التمويل الأجنبي للمؤسسة التي ينتمي إليها ، وأن يقاطع عمليات التطبيع بكاملها أي مقاطعة الكيان الصهيوني في كافة الأنشطة ، والاشتراك في حملة مدروسة توضح كيف تكون المقاطعة للمنتج الأميركي البريطاني ولنتأس بموقف العمال العرب الذين قاطعوا تفريع السفن والطائرات البريطانية رداً على العدوان الثلاثي سنة 1956 .

جميع الحقوق محفوظه للمحامي مصطفى محمود فراج ©2017 عدد الزوار: 3327161